الحلقة (050) باب بر الوالدين وصلة الأرحام (050)

رياض الصالحين · المقطع 50 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب بر الوالدين وصلة الأرحام. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها. رواه البخاري. الواصل: أي كامل الصلة لأهله وقرابته. المكافئ: الذي يكافئهم على صلتهم وإحسانهم. من فوائد الحديث: على المسلم أن يبدأ في صلة أرحامه ويستمر على ذلك ولو لم يقابلوا صنيعه بالإحسان. وجوب إخلاص الأعمال لله، ولو لم يأت منها خير عاجل في الدنيا، فهي خير دائم في الآخرة. الإساءة للمسلم لا تجعله يقطع الخير عن المسيء. صلة الرحم المعتبرة شرعًا هي أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وليس صلة المقابلة والمجازاة، فإن وقع ذلك من ذوي الأرحام دون قصد واستشراف، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله. متفق عليه. وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة، ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: أوفعلت؟ قالت: نعم. قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك. متفق عليه. أشعرت أي أعلمت، وليدة أي أمة. من فوائد الحديث: جواز التصرف للزوجة في مالها. الرجل يدور على أهله في يومهم، ويسمع ما يخصهم فيما قسم لهم. من وسائل تقوية روابط الزوجية أن تخبر المرأة زوجها بما صنعت أو ما ترغب في عمله. الصدقة على ذوي القربى أفضل وأعظم؛ لأنها صدقة وصلة. ينبغي أن يسترشد المسلم بآراء أهل العلم والذكر حتى يضع الأمور في مواضعها أو يبلغ خيرًا أكثر. وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك. متفق عليه. وقولها راغبة أي طامعة عندي تسألني شيئًا. قيل: كانت أمها من النسب، وقيل: من الرضاعة، والصحيح الأول. في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي معاهدته مع مشركي قريش في الحديبية. من فوائد الحديث: جواز بر الوالدين المشركين ما داما غير محاربين. وجوب سؤال أهل الذكر إذا كان السائل غير عالم، ولذلك تحرت أسماء في أمر دينها. فيه دلالة على أن العلم قبل القول والعمل. جواز موادعة أهل الحرب ومعاملتهم في زمن الهدنة. وعن زينب الثقفية، امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وعنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن. قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة، فائته فاسأل، فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال عبد الله: بل ائتيه أنت. فانطلقت، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتي حاجتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما، ولا تخبره من نحن. فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هما؟ قال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الزيانب هي؟ قال: امرأة عبد الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة. متفق عليه. خفيف ذات اليد: أي قليل المال. المهابة، أي الهيبة والإجلال، في حجورهما، أي في ولايتهما. من فوائد الحديث: جواز صرف الصدقة، ولو كانت الزكاة الواجبة، إلى الزوج والأولاد الذين لا تجب نفقتهم على المزكي كالزوجة. جواز خروج المرأة من بيتها لحاجتها والسؤال عن أمر دينها. طلب العلم واجب على المسلمين والمسلمات. وجوب سؤال أهل العلم والذكر إذا كان السائل غير عالم. جواز اتخاذ المرأة مالًا دون الرجل، ولو كان فقيرًا محتاجًا. الصدقة على الأقارب لها أجران: صدقة وصلة. جواز سؤال المفتي السائل المستفتي عن اسمه والتعرف على شخصه. من استحيا عند السؤال فله أن يخبر شخصًا آخر بما يريد ليوصله إلى العالم، ثم يأخذ منه الجواب. وعن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة هرقل، أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم به؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. متفق عليه. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستفتحون أرضًا يُذكر فيها القيراط، وفي رواية: ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمةً ورحمًا. وفي رواية: فإذا افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمةً ورحمًا، أو قال: ذمةً وصهرًا. رواه مسلم. قال العلماء: الرحم التي لهم كونها جرى أم إسماعيل صلى الله عليه وسلم منهم، والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم. القيراط هو نصف دانق، والدانق سدس الدرهم. ذمة: أي حقًّا وحرمة. صهرًا: أي أهل بيت المرأة. من فوائد الحديث: معجزة النبي صلى الله عليه وسلم بإخباره أن أمته ستفتح مصر. ينبغي على الإمام أن يوصي الجيش بتقوى الله وعدم الفساد في الأرض. وهكذا كان الخلفاء الراشدون من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإسلام جاء للعالمين رحمة، ليعبدوا الله وحده، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي جيش المسلمين بأهل مصر خيرًا. استحباب الإحسان لذوي القربى والرحم والصهر، ولو كانوا مشركين، ما لم يحاربوا الله ورسوله. مفهوم الرحم أوسع من القرابة القريبة، فالمقصود بالرحم هاجر أم إسماعيل عليه الصلاة والسلام. دخول القرابة من جهة الأم في مفهوم الرحم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا، فاجتمعوا، فعم وخص، وقال: يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قوله صلى الله عليه وسلم: ببلالها، البلال هو الماء، ومعنى الحديث سأصيلها، شبه قطيعتها بالحرارة تُطفأ بالماء، وهذه تُبرد بالصلة. من فوائد الحديث: الجزاء في الآخرة يكون على الإيمان والعمل الصالح، ولا تنفع القرابة والنسب. وجوب صلة الأرحام والاعتناء بهم، ومحاولة إصلاحهم وتوجيههم إلى الخير. قطيعة الرحم نار تؤجج الحسد والحقد والبغضاء في الدنيا، وعذاب أليم في الآخرة، فينبغي أن تُبل ببلالها، وهو صلتها التي تُطفئ الإحن وتذهب المحن. أول ما يجب على الداعي إلى الله إنذار أهله ثم عشيرته؛ لأنهم أولى بالخير من غيرهم، ثم الذين يلونهم حتى يعم الخير الناس جميعًا. بيان أن عشيرة الرجل هم أهل بلده وقومه. من أراد إنذار قوم عمهم ثم خصهم بأسمائهم، فذكر الاسم أوقع في النفس. ينبغي على الداعي إلى الله أن يُظهر للناس شدة حبه لهم وحرصه عليهم وخوفه على مآلهم. وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارًا غير سر يقول: إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها. متفق عليه، واللفظ للبخاري. وليي، أي ناصري، الذي أتولاه في جميع الأمور. من فوائد الحديث: لا ولاية بين المسلم والكافر، وإن كان يجوز صلة القرابة المشركة غير المحارب. أخوة الدين ورابطة الإسلام أعظم من روابط الدم والنسب والمصلحة. المسلمون بعضهم أولياء بعض. الرحم المأمور بصلتها والمتوعد على قطعها هي التي شرع الله لها ذلك، وأما من أمر الله بقطعها من أجل الدين فتستثنى من ذلك، ولا يلحق بمن قطعها الوعيد. وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم. متفق عليه. من فوائد الحديث: التوحيد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصلة الرحم من الأسباب الموجبة لدخول الجنة والبعد عن النار. معرفة الخير تحصل بالتعلم. العلم لا يتحصل إلا بطلبه، وأوله السؤال. وعن سلمان بن عامر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمراً فالماء، فإنه طهور. وقال: الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: استحباب الإفطار على تمر، فمن لم يجد فعلى الماء، وقد صح ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم. الصدقة والإحسان إلى ذوي الأرحام مضاعف؛ لأن فيها صدقة وصلة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت تحتي امرأة وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها، فأبيت، فأتى عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم. طلقها. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: وجوب طاعة الوالد في الأمور التي يفرضها عليه الإسلام. جواز كره مسلم أو مسلمة لوجود خصلة سيئة فيه، بشرط ألا يتجاوز هذا الكره هذه الصفة. وجوب طاعة الوالد إذا أمر بأمر يقره عليه الدين. وكان ابن عمر يحب زوجته حباً فطرياً، وكان عمر يكرهها كراهة دينية، فلذلك أمره بطلاقها، وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، وأمر ابن عمر أن يطيع أباه في طلاقها، ولو كان عمر ظالماً لها، لما وافقه الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة، وإن أمي تأمرني بطلاقها. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه. رواه الترمذي. أوسط أبواب الجنة، أي خير أبوابها. من فوائد الحديث: بر الوالدين سبب في دخول الجنة وفتح أبوابها. إرضاء الوالدين مقدم على إرضاء الزوجة. من أحب شيئًا وطلب والداه أو أحدهما منه تركه فحزن عليه، فأولى شيء يفعله استشارة أهل العلم. وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الخالة بمنزلة الأم. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: الخالة مثل الأم في العطف على أبناء أختها، وهي كذلك في حضانتهم. وجوب بر الخالة والإحسان إليها كما يحسن العبد لأمه. الخالة في الحضانة مقدمة على العمة. هذا الحديث خاص بالحضانة، ولا حجة فيه لمن زعم أن الخالة ترث لأن الأم ترث. رياض الصالحين.