الحلقة (053) باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل

رياض الصالحين · المقطع 53 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل، وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم. وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، يعني في القبر، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد. رواه البخاري. اللحد هو تجويف في الجدار القبلي للقبر يوضع فيه الميت. من فوائد الحديث: يجوز في القبور اللحد والشق، بجريان العمل عليهما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن اللحد أفضل. جواز دفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد عند الحاجة أو الضرورة. تقديم أهل العلم والفضل يكون في حياتهم وعند مماتهم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أراني في المنام أتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر. فقيل لي: كبِّر، فدفعته إلى الأكبر منهما. رواه مسلم مسندًا، والبخاري تعليقًا. من فوائد الحديث: استحباب استخدام السواك؛ لأنه سنة نبوية مؤكدة، وهو مطهرة للفم مرضاة للرب، وبخاصة عند الوضوء والصلاة وقراءة القرآن. تقديم الأكبر سنًّا في السواك والكلام فقط، سواء ترتب القوم أم لا. أما بقية الأمور فيقدم الأيمن فالأيمن. جواز استخدام سواك الآخرين بإذنهم. رؤية الأنبياء حق؛ لأنها وحي معصوم، ولذلك ما يحدث فيها يدخل في التشريع. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط. رواه أبو داود. ذي الشيبة: الذي ابيض شعره وشاب في الإسلام. حامل القرآن: أي قارئه. الغالي: هو المتجاوز للحد في التشدد. الجافي: التارك للعمل به والهاجر لتلاوته. المقسط: أي العادل. من فوائد الحديث: استحباب إكرام ذي الشيبة المسلم، والشيخ الكبير في الإسلام، وتوقيره في المجالس اعترافًا بفضله وسبقه، والرفق به والشفقة عليه، وقارئ القرآن الفقيه العامل به، الوقاف عند حدوده، الذي يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، والإمام العادل. الغلو في الأمر مهلكة تنقطع في مفاوزها الأعمال الصالحة. الجفاء للقرآن معصية ينبغي التوبة منها. دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه. إكرام عباد الله الصالحين المصلحين يلقي الجلال والمهابة على فاعل ذلك محتسبًا. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا. رواه أبو داود والترمذي، وفي رواية أبي داود: حق كبيرنا. من فوائد الحديث: استحباب الرحمة بالصغار، والعطف عليهم، والشفقة بهم، والإحسان إليهم. استحباب توقير الكبار وإجلالهم. المجتمع الإسلامي بناء مرصوص، يعطف على الصغير ويوقر الكبير. لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ مَكَانٌ فِي الْجِدَارِ الَّذِي أَكْمَلَ بِنَاءَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. يَنْبَغِي مَعْرِفَةُ حَقِّ الْعُلَمَاءِ وَتَوْقِيرِهِمْ، فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَ أَحْمَدَ زِيَادَةٌ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا. وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، لَكِنْ قَالَ: مَيْمُونٌ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا فَقَالَ: وَذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ. وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. كِسْرَةٌ: أَيْ قِطْعَةُ خُبْزٍ. هَيْئَةٌ: أَيْ حَالَةٌ حَسَنَةٌ. مَنَازِلَهُمْ: أَيْ مَرَاتِبَهُمْ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: مُرَاعَاةُ مَرَاتِبِ النَّاسِ وَمَكَانَتِهِمْ، وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَيُكْرَمُ الْكَرِيمُ، وَيُعَزُّ الْعَزِيزُ، وَيُقَالُ لِذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتُهُمْ. جواز التصدق بالشيء اليسير. الاستدلال بالحديث النبوي حجة قوية في الشرع، وهو أبلغ من ذكر الحكم من غير دليل. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. فاستأذن له، فأذن له عمر رضي الله عنه، فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله تعالى. رواه البخاري. وعن أبي سعيد سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامًا، فكنت أحفظ عنه، فما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن مني، متفق عليه. أسن مني، أي أكبر سنًا. من فوائد الحديث: كراهة التحديث بالسنة إذا كان من هو أولى من المرء لزيادة علم أو حفظ أو تقدم سن. جواز حضور الصبيان مجالس الكبار ومجالس العلم. الغلام يتحمل العلم في صغره. توقير الكبار وإجلالهم. معرفة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرف كبارهم، فهم يعلمون أنهم على خير ما دام العلم يأتيهم من قبل أكابرهم. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أكرم شاب شيخًا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه. رواه الترمذي وقال: حديث غريب. قيض، أي قدر. من فوائد الحديث: استحباب إكرام الشيوخ المسلمين لسنهم. الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان. لا يضيع المعروف عند الله. رياض الصالحين.