الحلقة (054) باب زيارة أهل الخير والمواقع الفاضلة (1)

رياض الصالحين · المقطع 54 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة. قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا إلى قوله تعالى. قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا. وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنها نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها. فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا. رواه مسلم. أم أيمن، مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته وخادمته في طفولته، فهيجتهما، أي أثارتهما على البكاء. من فوائد الحديث: تأسي الصحابة رضوان الله عليهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أمر. جواز البكاء حزنًا على فراق الصالحين، وانقطاع الخير الذي كان يتنزل بالوحي، فعند انقطاع الوحي كثرت المذاهب واختلفت الأهواء، وشاع التنازع، وحصلت الفتن والمصائب والمحن، نسأل الله العافية. جواز زيارة الفاضل لمن هو دونه. فضل أم أيمن رضي الله عنها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه. رواه مسلم. يقال: أرصده لكذا إذا وكله بحفظه، والمدرجة: الطريق، ومعنى تربها: تقوم بها وتسعى في صلاحها. من فوائد الحديث: استحباب زيارة الإخوان في الله، الأخوة في الله فوق روابط الدم والنسب والمصالح، عظم فضل الحب في الله والتزاور فيه، من أحب في الله فقد أحبه الله، إثبات محبة الله لعباده من أهل طاعته، وهي صفة عظيمة مستقلة قائمة بالله من صفات الأفعال، ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، ونحن نثبتها لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وكماله، قدرة الملائكة على التشكل في صورة البشر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا. رواه الترمذي. طبت: أي انشرحت وسررت وطهرت، طاب ممشاك: أي عظم مثواك، تبوأت من الجنة منزلًا. أي اتخذت منها دارًا تنزلها. من فوائد الحديث استحباب زيارة المريض والإخوان في الله. لكل ملك من الملائكة مقام معلوم، فمنها من تبشر المؤمنين إذا قاموا بأعمال يحبها الله ورسوله. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة. متفق عليه. يحذيك: يعطيك. المسك: الطيب. الكير: جراب من جلد ينفخ به الحداد النار. تبتاع: أي تشتري. من فوائد الحديث جواز ضرب الأمثال في الحديث لتقريب المعنى للسامع. النهي عن صحبة أهل السوء والشر، فإن مصاحبتهم تسوء في الدين والدنيا. الترغيب في اتخاذ الأصدقاء الصالحين. طهارة المسك وجواز بيعه، ولذلك ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا للجليس الصالح الذي يعطيك المسك لتتطيب به. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَجَوَازِ التِّجَارَةِ بِهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ فِي الْعَادَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ هَذِهِ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَ، فَاحْرِصْ أَنْتَ عَلَى ذَاتِ الدِّينِ وَاظْفَرْ بِهَا وَاحْرِصْ عَلَى صُحْبَتِهَا. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْأُمُورُ الَّتِي تُرَغِّبُ الرَّجُلَ فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ هِيَ الْمَالُ وَالنَّسَبُ وَالْجَمَالُ وَالدِّينُ. خَيْرُ هَذِهِ الْأُمُورِ وَأَفْضَلُهَا هُوَ الدِّينُ؛ لِأَنَّهَا تُعِينُ الْعَبْدَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ. تَأْكِيدُ الْإِسْلَامِ عَلَى نِكَاحِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ ذَاتِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهَا تُعِينُ الْعَبْدَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. عِنْدَمَا يَكُونُ الدَّاعِي إِلَى الزَّوَاجِ هُوَ الدِّينُ، فَإِنَّ النِّكَاحَ يَبْقَى وَيَدُومُ؛ لِأَنَّ الدِّينَ هِدَايَةٌ وَتَبْصِرَةٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟ فَنَزَلَتْ: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِي. نَتَنَزَّلُ، أيِ التَّنَزُّلُ على مَهْل. من فوائد الحديث: محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام؛ لأنه يحمل معه خبر السماء. استحباب استبطاء زيارة الإخوة في الله ودعوتهم للزيارة. جواز استفسار المسلم من أخيه المسلم عن سبب تأخره عنه؛ لأن فيه علامة المحبة، وفيه من التحبب ما هو ممدوح شرعًا. الملائكة لا تتصرف ولا تتنزل إلا بأمر الله تعالى. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: النهي عن صحبة الكفار والفجار ومودتهم. الأمر بملازمة الأتقياء الأوفياء ومخالطتهم. الأكل من بيت الصديق جائز. النهي عن إكرام أهل السوء والفجرة، وإسداء الجميل إليهم والإنفاق عليهم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: ينبغي على المسلم اختيار الأصدقاء وانتقاؤهم. من حقوق الأخوة النظر بعين المساواة. الصاحب ساحب، فلينظر امرؤ أين يضع قدمه، لأن اتخاذ الصحبة لا بد أن يصدر عن تفكر. المرء يقوى دينه بصحبة المؤمنين، ويقل بصحبة الفاسقين. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المرء مع من أحب، متفق عليه. وفي رواية قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: فالرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ قال: المرء مع من أحب. الرجل يحب القوم، أي من أهل الفضل والعلم والصلاح. مع من أحب، أي يجتمع المرء مع من أحب. لما يلحق بهم، أي لا يستطيع أن يعمل بعملهم، أو ليس في منزلتهم، أو لم يجتمع معهم في الدنيا. من فوائد الحديث: من جهل شيئًا من العلم سأل عنه، وتوجه إلى أهله وحملته. ينبغي على المسلم أن يختار أصدقاءه وأولياءه من الصالحين المتقين ليكون معهم، لأن المرء يُحشر مع أحبابه. الأخلاء أعداء يوم القيامة إلا المتقين. الحب في الله طاعة، يدرك بها المرء ما فاته أو قصر عنه من نوافل الطاعات. المؤمنون درجات في العمل والطاعة، فمنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات. وعن أنس رضي الله عنه أن أعرابيًا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية لهما: ما أعددت لها من كثير صوم ولا صلاة ولا صدقة، ولكنني أحب الله ورسوله. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب. متفق عليه. من فوائد الحديث: حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلاغته في إجابة السائل، حيث دله على الذي يهمه وينجيه، وهو الاستعداد للآخرة بما ينفع. يجوز رد السائل بسؤال إن كان جواب السؤال بسؤال يفيد السائل. أخفى الله تعالى علم الساعة على العباد ليبقى المرء مستعداً متجهزاً للقاء الله. في يوم القيامة يكون المرء مع من أحب عن خير أو شر. حب الله وطاعته وحب رسوله صلى الله عليه وسلم واتباعه من أفضل القربات وأكمل الطاعات. رياض الصالحين.