الحلقة (056) باب فضل الحب في الله والإعلام به
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الحب في الله والحث عليه، وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه، وماذا يقول له إذا أعلمه. قال الله تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، إلى آخر السورة. وقال تعالى: والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم. عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار. متفق عليه. من فوائد الحديث: تكون حلاوة الإيمان بالاستلذاذ بالطاعات والرغبة فيها، وإيثارها على شهوات النفس. ينبغي أن يحب المرء الله ورسوله أكثر من والده وولده ونفسه والناس أجمعين. الصلة بين المؤمنين قائمة على الحب في الله. كراهية الكفر إنما تكون بالبعد عنه وعن أسبابه، وما يقرب إليه من المعاصي والبدع. من أصول المحبة الحقيقية: أولاً، تكميل هذه المحبة بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ثانياً، تفريغ هذه المحبة بأن يحب في الله ويبغض في الله. ثالثاً، دفع ضد هذه المحبة بأن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهته الإلقاء في النار. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه. متفق عليه. سبعة، أي سبعة أصناف من الناس يظلهم الله في ظله، أي في ظل عرش الله. الإمام، أي صاحب الولاية العظمى. ويلحق به كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين. العادل: الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط. معلق بالمساجد: دلالة على شدة الحب لأماكن الذكر والصلاة. تفرقا عليه: أي بأجسادهما وأبدانهما لسفر أو موت، وبقيا مجتمعين بأرواحهما على منهج الله. دعته امرأة ذات حسن وجمال: أي دعته إلى الفاحشة. ففاضت عيناه: أي فاضت بالدموع منها. من فوائد الحديث: فضل الإمام العادل الذي يحكم شرع الله ويرعى عباد الله، ولذلك قدمه في الذكر لعموم النفع به. فضل الشاب الذي شب في طاعة ربه، فلم يزاول المعاصي ولم يقترف الفجور. وجوب تربية الناشئة على طاعة الله وتوحيده. فضل من يرتاد المساجد ويبقى قلبه معلقًا فيها وبها كلما خرج منها عاد إليها حبًا في ذكر الله وإقامة الصلاة جماعة فيها. الحب ينبغي أن يكون في الله ولله، ليس لمصلحة زائلة أو عرض زائل. فضل العفاف والإعراض عن الفاحشة مع توفر دواعيها خشيةً لله. فضل البكاء من خشية الله. فضل الصدقة الخفية التي تبتعد عن الرياء وعن الأذى. ذكر الرجال في هذا الحديث ليس خاصا بهم، بل يشترك النساء معهم فيما ذكر، إلا ما كان من الإمام العادل، الإمامة العظمى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي. رواه مسلم. من فوائد الحديث: فضل الحب في الله. تشجيع من يفعل الخير ابتغاء مرضاة الله ليتقوى به. إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأنه يتكلم متى شاء بصوت وحرف. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم. رواه مسلم. من فوائد الحديث: دخول الجنة لا يكون إلا بالإيمان. لا يكمل الإيمان ويتم حتى يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه من الخير. إفشاء السلام من أعظم أسباب التآلف، وهو أن تلقي السلام على من عرفت ومن لم تعرف. السلام لا يلقى إلا على مسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم: أفشوا السلام بينكم. حرص الإسلام على تماسك المجتمع وتراص البنيان. إرشاد العالم لجلسائه وأصحابه إلى ما ينفعهم ويدخلهم الجنة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكاً، وذكر الحديث إلى قوله: إن الله قد أحبك كما أحببته فيه. رواه مسلم، وقد سبق بالباب قبله. وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأنصار: لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق. من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله. متفق عليه. الأنصار هم أهل المدينة من الأوس والخزرج الذين نصروا رسول الله بالنفس والمال. من فوائد الحديث. حب الأنصار من الإيمان. بغض الأنصار من شعب النفاق. حب أولياء الله ونصرتهم سبب في حب الله للعبد. فضل السابقين الأولين في الإسلام. جواز الدعاء على المنافقين والمحاربين لله ورسوله والمؤمنين. وعن معاذ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء. رواه الترمذي. منابر جمع منبر، وهو المكان المرتفع. يغبطهم: يتمنون أن لهم مثلهم من المنزلة والشرف دون زوالهما عنهم، وهو حسد الغبطة. من فوائد الحديث: إثبات صفة الكلام لله تعالى. للمتحابين في جلال الله منزلة عظيمة ومقام كريم في مقعد صدق عند رب العالمين. جواز الغبطة في الخير، ولا يعد ذلك من الحسد المذموم. قد تكون في المفضول صفة يتمناها الفاضل. لا يلزم من غبطة الأنبياء للمتحابين في الله أن يكونوا خيرًا من الأنبياء، فإن أفضل الخلق الأنبياء. وعن أبي إدريس الخولاني رحمه الله قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا، وإذا الناس معه، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل رضي الله عنه. فلما كان من الغد هجرت، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك في الله. فقال: آلله؟ فقلت: الله. فقال: آلله؟ فقلت: الله. فأخذني بحبوة ردائي، فجبذني إليه فقال: أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في. حديث صحيح، رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح. قوله هجرت، أي بكرت. قوله آلله، فقلت الله، الأول بهمزة ممدودة للاستفهام، والثاني بلا مد. بَرَّاقُ الثنايا، أي مُضيءُ الأسنان، حسنُ الثغر، لا يُرى إلا متبسِّمًا. أسندوه، أي سألوه. صدروا عن رأيه، أي رجعوا عنه وأخذوا به. حبوةُ رداءي، أي أخذ بردائي من عند سررتي. المتباذلين، أي المتعاونين والمنفقين من أجلي. من فوائد الحديث: يُستحب إخبار المحب من يحب بمحبته. من أتى مشغولًا بالعبادة، فيُستحسن ألّا يشغله عما هو فيه حتى يفرغ. لا بد للناس من عالم يسوسهم بكتاب الله وسنة رسوله، إليه يرجعون، وعن فتواه يصدرون. السلام قبل الكلام. جواز استحلاف الرجل من غير تهمة. بيان عظيم لفضل المحبة في الله. من ثمار المحبة في الله: التزاور والتباذل والتكافل، وكلها أواصر توثق عرى المحبة في الله. عن أبي كريمة المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: من أحب أخاه في الله فليخبره. إخبار الرجل أخاه أنه يحبه في الله، مدعاة لتوطيد الأخوة وزيادة الألفة وتوثيق عرى المودة. وعن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: يا معاذ، والله إني لأحبك، ثم أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. رواه أبو داود والنسائي. دبر: أي عقب. كل صلاة: أي صلاة مفروضة. من فوائد الحديث: جواز أخذ الرجل بيد أخيه. استحباب إخبار المحب من أحبه عن حبه. فضل معاذ بن جبل رضي الله عنه. استحباب التزام هذا الدعاء في دبر كل صلاة مفروضة. استحباب طلب العون والتوفيق من الله ليؤدي العبد عبودية ربه على وجهها. من تمام حب المحب لمن أحب أن يوصيه بالحق والصبر. وعن أنس رضي الله عنه أن رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمر رجل به، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم. أَأَعْلَمْتَهُ؟ قال: لا. قال: أعلمه. فلحقه فقال: إني أحبك في الله. فقال: أحبك الذي أحببتني له. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: استحباب ذهاب المرء إلى أخيه ليخبره أنه يحبه، والسنة أن يأتيه في بيته، لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله، فليخبره بأنه يحبه لله عز وجل. من أخبره أخوه أنه يحبه فليخبره كذلك ويدعو له بقوله: أحبك الله الذي أحببتني له. اللقاء على منهج الله يزيد في الألفة. رياض الصالحين.