الحلقة (057) باب علامات حب الله تعالى للعبد
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب علامات حب الله تعالى للعبد، والحث على التخلق بها، والسعي في تحصيلها. قال الله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به. وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ. رواه البخاري. معنى آذنته: أعلمته بأني محارب له. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. متفق عليه. وفي رواية لمسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض الله عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه. فَيُبْغِضُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ تُوْضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ. أهل السماء، أي الملائكة، يوضع له القبول، أي يوضع له الحب في قلوب الناس. من فوائد الحديث: العبرة في محبة الإنسان وبغضه إنما هي لأهل الفضل والخير. لا يقدح في ذلك كراهية الفساق للرجل الصالح، وحبهم للفاسقين أمثالهم، فالمؤمن ينظر بنور الله ويحب من أحب الله. إثبات صفتي المحبة والكلام لله رب العالمين. طاعة الملائكة لله مطلقة لا تردد فيها. جبريل عليه السلام مقدم الملائكة، ومبلغ عن الله فيما يوحيه إلى عباده. من أحبه الله أحبه أهل السماء والأرض، ومن أبغضه الله أبغضه أهل السماء والأرض. فعلى المرء أن يسعى لتحصيل محبة الله، وذلك باتباع رسول الله، والتقرب إلى الله بما فرض عليه، والترقي في عمل الطاعات وترك المنكرات. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد. فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله تعالى يحبه. متفق عليه. من فوائد الحديث: لا بد للسرية من أمير، وأمير القوم يكون إمامهم في الصلاة. عدم جواز مخالفة الأمير ما لم تكن معصية صريحة، وذلك مخافة تفرق الكلمة واختلاف الناس. الاعتراض على الأمير يكون أمام الإمام الأعظم. الصحابة كانوا يهرعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتونه في كل ما جد لهم مما لم يعرفوا حكمه. فضل سورة الإخلاص؛ لأنها اشتملت على ما يجب لله سبحانه من التوحيد، وما يجب من حقه على عباده، من توجيه الخلق وحوائجهم إليه، وقصدهم إياه في سائر أمورهم، وعلى تنزيهه من كونه والدًا لأحد أو مولودًا له. الأعمال بمقاصدها، فمن تقرب إلى الله بفعل يحبه الله أحبه الله تعالى. عدم احتقار شيء من الطاعات. فَمِنَ الأعمالِ ما يوصِلُ للدرجاتِ العُلا، وإن صغُرَ في أعينِ الناس. جوازُ تكرارِ السورةِ الواحدةِ في الصلاة، فإن هذا الصحابيَّ كان يقرأ سورةَ قل هو الله أحد عقب كلِّ قراءة. بابُ التحذيرِ من إيذاءِ الصالحين والضعفة والمساكين. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا. وقال تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ. وأما الأحاديث فكثيرة، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الباب قبل هذا: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب. ومنها حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه السابق في باب ملاطفة اليتيم، وقوله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر، لَئِن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبتَ ربك. وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه. ثم يكبه على وجهه في نار جهنم. رواه مسلم. باب إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى. قال الله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى. متفق عليه. عصموا أي منعوا وحفظوا إلا بحق الإسلام، هذا استثناء منقطع، ومعناه: لكن يجب عليهم بعد عصمة دمائهم وأموالهم أن يقوموا بحق الإسلام من فعل الواجبات وترك المحظورات. من فوائد الحديث: القتال في الإسلام لأهل الأوثان حتى يدخلوا في الإسلام، ودليل دخولهم فيه نطقهم بالشهادتين وإقامتهم للصلاة وأداؤهم للزكاة، وكذا اعترافهم ببقية أركان الإسلام، وإنما لم تذكر في الحديث إما لأنها لم تكن قد فُرضت وقتئذ. أو اكتفاءً بما ذُكر تنبيهًا بالأعلى على الأدنى. إذا أعلنوا الدخول في الإسلام حرمت دماؤهم وأموالهم، وحساب بواطنهم وصدق قلوبهم على الله تعالى. أما نحن فنعاملهم معاملة المسلمين في إجراء أحكام الإسلام في الدنيا. فيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر. وعن أبي عبد الله طارق بن أشيم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله تعالى. رواه مسلم. من فوائد الحديث: شرط التوحيد البراءة من المعبودات الباطلة والكفر بالطاغوت، وهذا مؤكد بآيات القرآن الكريم. قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا. المسلم معصوم الدم والمال والعرض، لا يجوز التعدي عليه ولا إلحاق الأذى به. نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. وعن أبي معبد المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال: لا تقتل. فقلت: يا رسول الله، قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها. فقال: لا تقتل، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال. متفق عليه. ومعنى أنه بمنزلتك، أي معصوم الدم محكوم بإسلامه، ومعنى أنك بمنزلته، أي مباح الدم بالقصاص لورثته، لا أنه بمنزلته في الكفر، والله أعلم. أرأيت، أي أخبرني. لاذ مني بشجرة، أي احتمى والتجأ إليها. من فوائد الحديث: الكافر الحربي حلال الدم والمال بحكم الإسلام. من صدر عنه ما يدل على الدخول في الإسلام من قول أو فعل حرم قتله. من قتله عالماً بحرمة ذلك لزمه القصاص، ومن كان جاهلاً أو متأولاً وجبت عليه الدية، كما وقع لبعض الصحابة أنهم قتلوا بعض الناس بعد أن أظهروا الإسلام. فظنوا أنهم إنما فعلوا ذلك خوفًا من القتل، فقتلوهم، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. في الحديث إشارة إلى وجوب الثبات عند لقاء العدو ولو جرح المقاتل، فهذا السائل يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعدما قطعها. يجب على المسلم أن يكون هواه تبعًا للشرع، وليس للعصبية والانتقام. رياض الصالحين.