الحلقة (060) باب الخوف (2)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الخوف. وعن المقداد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل. قال سليم بن عامر الراوي عن المقداد: فوالله ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما. وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه. رواه مسلم. تدنى أي تقرب. حقويه هما معقد الإزار، والمراد ما يحاذي ذلك الموضع من جنبيه. يلجمه أي يصل إلى فيه وأذنيه، فيكون له بمنزلة اللجام من الحيوانات. من فوائد الحديث بيان أهوال يوم القيامة وشدة المحشر. الناس يكونون في الشدة يوم القيامة في الموقف على حسب أعمالهم. الترغيب بأعمال الخير، والترهيب من أعمال الشر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم. متفق عليه. ومعنى يذهب في الأرض: أي ينزل ويغوص. من فوائد الحديث بيان أهوال يوم القيامة، والتحذير من أعمال الشر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع وجبة، فقال: هل تدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها، فسمعتم وجبتها. رواه مسلم. وجبة: أي صوت سقطة. خريفًا: أي عامًا. من فوائد الحديث عمق جهنم وبعد قعرها، وأن وقودها الناس والحجارة، وهذا يقتضي شدة عذابها، وهو يستدعي الخوف منها. كرامةُ الصحابةِ في سماعهم لصوتِ السقطةِ كما سمعوا حنينَ الجذع، وهذا إكرامٌ منه لعباده ليتعظوا ويرجعوا ويتوبوا. استحبابُ إسنادِ العلمِ إلى الله تعالى فيما لا علمَ للإنسان به. إثارةُ المعلمِ الاهتمامَ والانتباهَ قبل البيان ليكون أدعى إلى الإفهام. وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة. متفق عليه. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش. وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُودَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَأَطَّتْ وَتَعِطْ، وَالأَطِيطُ صَوْتُ الرَّحْلِ وَالْقَتَبِ وَشَبَهِهِمَا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ كَثْرَةَ مَنْ فِي السَّمَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْعَابِدِينَ قَدْ أَثْقَلَتْهَا حَتَّى أَطَّتْ، وَالصُّعُودَاتُ أَيْ الطُّرُقَاتُ، وَمَعْنَى تَجْأَرُونَ أَيْ تَسْتَغِيثُونَ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْمُؤْمِنُ كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمُهُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَجَلَالِهِ، ازْدَادَ خَوْفُهُ مِنْ عِقَابِهِ، كَمَا يَزْدَادُ طَمَعًا فِي ثَوَابِهِ، فَيَهْجُرُ الْمَعْصِيَةَ وَيُكْثِرُ مِنَ الطَّاعَةِ. غَيَّبَ اللَّهُ عَنِ النَّاسِ حَقَائِقَ الْآخِرَةِ لِيَكُونَ التَّكْلِيفُ وَيَحْصُلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ. مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ الْخَوْفُ وَالْهَيْبَةُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَكِنْ لَا يَصِلُ بِهِ إِلَى الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَتِهِ. الْحَثُّ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَهْلُ السَّمَاءِ طَائِعُونَ لِلَّهِ سَاجِدُونَ لَهُ، لَا يَغْفُلُونَ عَنْ ذِكْرِهِ. وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ. وعن جسمه فيما أبلاه. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: نعم الله على العباد كثيرة، ولذلك سيسأله الله عن النعيم الذي كان فيه. العبد المؤمن يضع نعم الله فيما يرضي الله. الحث على اغتنام الحياة فيما يرضي الله تعالى، والإخلاص في العمل، واكتساب المال من طرق مشروعة ليكون حلالًا، وصرفه في وجوه الخير وما أمر الله به. حفظ الجسم مما حرم الله، وتسخيره لطاعة الله سبحانه. أن يتعلم الإنسان العلم النافع، فيعمل به خالصًا لله تعالى، فينتفع هو به وينفع غيره. مسؤولية الإنسان يوم القيامة، وأنه محاسب على عمله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ تحدث أخبارها، ثم قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: خير ما فُسِّر به كتاب الله هو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم. الحث على فعل الطاعة والبعد عن المعصية. قدرة الله تعالى في إنطاق ما شاء من خلقه، حيث تشهد الأرض بما حدث عليها من خير وشر. يشهد الله على العبد يوم القيامة: الكتبة، وسمعه وبصره، وجلده ويديه ورجليه، والأرض، كما ثبت في الكتاب والسنة، لتقوم الحجة الدامغة على العبد. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، واستمع الإذن، متى يؤمر بالنفخ فينفخ؟ فكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. رواه الترمذي. القرن هو الصور الذي قال الله تعالى: ونفخ في الصور، كذا فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف أنعم، أي كيف أطيب عيشًا وأفرح. صاحب القرن، أي الملك الموكل بالنفخ فيه. التقم، أي وضع فمه عليه. ثَقُلَ، أي عَظُم. من فوائد الحديث: من وظائف الملائكة النفخ في الصور، لأن الذي ينفخ في الصور مَلَك. الملائكة لا تتصرف إلا بأمر الله تعالى، ولذلك ألقت السمع تنتظر الأمر من الله. الخوف من قيام يوم القيامة. الحث على الاستعانة بالله تعالى وحده، والالتجاء إليه، والمسارعة إلى العمل الصالح. إشفاق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وخوفه أن تقوم الساعة عليهم، وقد علم أنها لا تقوم إلا على شرار الخلق. من ثقل عليه شيء وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، لم يضره شيء، وانقلب بنعمة من الله لم يمسسه سوء. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة. رواه الترمذي. وأدلج معناه سار من أول الليل، والمراد التشمير في الطاعة، والله أعلم. خاف، أي خاف البيات. بلغ المنزل، أي الذي يأمن فيه البيات. السِّلْعَةُ، أي المتاع. غالية، أي رفيعة القيمة. من فوائد الحديث: ينبغي الاهتمام بالطاعة، والمبادرة إلى الخلاص من المعصية. من غفل عن التوبة لم يقف على حقيقته ولا آخرته، فنراه منقطعًا في بيداء المعصية والحيرة والخذلان. ينبغي الإكثار من البذل والإنفاق لنيل الجنة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غُرْلًا. قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة، الأمر أشد من أن يهمهم ذلك. وفي رواية: الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض. متفق عليه. غُرْلًا، أي غير مختونين. حُفاة، أي ليس في أرجلهم حذاء ولا خف. عُراة، أي ليس على أبدانهم ثياب. من فوائد الحديث: بيان لأهوال يوم القيامة، وأن الإنسان لا يشغله شيء عن حسابه وأعماله. بيان حال الناس يوم المحشر. وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ عُرَاةً رِجَالًا وَنِسَاءً. تأكيد على أن الإنسان لا يقع في المعصية إلا في حالة غفلة وبعد عن حمى الله، إذ لو تذكر عظمة من عصاه أو تذكر عقابه لما غفل عن ذكره وشكره وحسن عبادته طرفة عين. ولذلك ترى أهل المحشر مشغولين في أنفسهم لا ينظر بعضهم إلى بعض. شدة حياء النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه عائشة رضي الله عنها تضطرب حياءً عندما تسمع أن الخلق يُحشرون عراةً رجالًا ونساءً. رياض الصالحين.