الحلقة (061) باب الرجاء (1)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الرجاء. قال الله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم. وقال تعالى: وهل نجازي إلا الكفور. وقال تعالى: إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى. وقال تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء. عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، حرم الله عليه النار. كلمته: أي أن عيسى وُجد بأمره دون أب. روحٌ منه، أي من خلقه ومن عنده. من فوائد الحديث: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. أعلى مقامات المؤمن أن يكون عبداً لله تعالى على الحقيقة. من مات على الإيمان لا تخرجه الكبائر عن أصل الإيمان، غير أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. عيسى عليه الصلاة والسلام حجة لله على خلقه، حيث خلقه من غير أب. من مسائل الإيمان: الإيمان بأن الجنة والنار حق. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة. رواه مسلم. معنى الحديث: من تقرب إليَّ بطاعتي تقربت إليه برحمتي. وَإِنْ زَادَ زِدْ، فَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي وَأَسْرَعَ فِي طَاعَتِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها، ولم أُحْوِجْهُ إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، وقرب الأرض ما يقارب ملأها، والله أعلم. الباع: طول ذراعي الإنسان وعضده وعرض صدره. من فوائد الحديث: الاطمئنان والرجاء بعفو الله ورحمته، وعدم اليأس من مغفرته. أقل مراتب مضاعفة الحسنات إلى عشرة أمثالها، وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة ضعف. هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه إثبات إتيان الرب تبارك وتعالى، نقرها كما جاءت، ولا نعطلها أو نؤولها أو نمثلها بصفات المخلوقين، ولا نخوض فيها متكلفين. وعن جابر رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك به شيئًا دخل النار. رواه مسلم. الموجبتان: أي الخصلة التي توجب الجنة، والخصلة التي توجب النار. من فوائد الحديث: اتفق أهل السنة والجماعة على أن العاصي لا يخلد في نار جهنم ما دام قد مات على الإيمان، وأن الكافر يخلد فيها. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. ثلاثا. قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا. فأخبر بها معاذ عند موته تأثما. متفق عليه. وقوله تأثما، أي خوفا من الإثم في كتم هذا العلم. رديفه، أي راكبا على الدابة خلفه. لبيك، أي إجابة بعد إجابة. وسعديك، أي مساعدة في طاعتك بعد مساعدة. يتكل، أي يعتمد على ذلك ويترك العمل. من فوائد الحديث: جواز الإرداف على الدابة. بيان منزلة معاذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه له. جواز ترك التحديث بأمر لا تبلغه أو تفقهه عقول المخاطبين، خشية أن يترتب عليه محذور، أو ترك عمل هو أفضل. لا يجوز كتم العلم خشية ذهابه، ولكن ضمن شروط معلومة. يجوز للمرء أن يأخذ لنفسه بالأحوط، كما صنع معاذ، فحدث به خشية الوقوع في كتمان العلم. جواز الاستفسار عما يتردد في نفس السائل. من حق لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن يكون قائلها صادقًا غير شاك ولا منافق. أهل التوحيد لا يخلدون في نار جهنم، وإن دخلوها بسبب ذنوبهم أخرجوا منها بعد أن يتطهروا. وعن أبي هريرة، أو أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، شك الراوي، ولا يضر الشك في عين الصحابي لأنهم كلهم عدول، قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا. فَجَاءَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْبَرَكَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ. فَدَعَا بِنِطْعٍ فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطْعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ. فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَؤُوهُ، وَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. نَوَاضِحَنَا: جَمْعُ نَاضِحٍ، وَهُوَ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسْتَسْقَى عَلَيْهِ الْمَاءُ. الظَّهْرُ: أَيْ الدَّوَابُّ الَّتِي يُرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهَا. فَضْلُ أَزْوَادِهِمْ: أَيْ بَقِيَّةُ طَعَامِهِمْ. الْبَرَكَةُ: أَيْ الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ وَكَثْرَةُ الْخَيْرِ. بِنِطْعٍ: أَيْ بِسَاطٍ مِنْ جِلْدٍ. بِكَسْرَةٍ، أي بِقِطْعَةٍ. أَوْعِيَتُكُمْ جمع وعاء، وهو ما يُوعى فيه الشيء ويُجمع. العسكر، أي الجيش، فَيُحْجَب، أي فيُمنَع. من فوائد الحديث: يُستحب للإمام أن يصحب جيشه في المعارك ليكون عونًا لهم على الثبات فيها. أدب الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يستأذنونه فيما يحبون فعله. وكذا يتعين على الجماعة عدم التصرف بغير إذن الإمام لما قد يترتب على ذلك من أذى وضرر. سداد رأي عمر رضي الله عنه، وحسن تدبيره ورسوخ علمه. حياة السلف الأول كانت تشاورًا وتحاورًا، فهداهم الله لأرشد أمرهم. تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث استمع إلى رأي عمر لأن فيه مصلحة. الحث على التعاون بين المسلمين في كافة أمورهم، وهذا واضح في إتيان كل واحد منهم بفضل زاده، حتى جاء الرجل بكف ذرة، والآخر بكف تمر، والآخر بكسرة خبز. ثبوت المعجزة للرسول صلى الله عليه وسلم، وتكثير الطعام وقع له صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة. بيان فضل كلمة التوحيد، وأنها مفتاح الجنة ما لم يكن صاحبها شاكًّا بها. وعن عتبان بن مالك رضي الله عنه، وهو ممن شهد بدراً، قال: كنت أصلي لقومي بني سالم، وكان يحول بيني وبينهم وادٍ، إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار، فيشق علي اجتيازه، فوددت أنك تأتي فتصلي في بيتي مكاناً أتخذه مصلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأفعل. فغدا علي رسول الله وأبو بكر رضي الله عنه بعد ما اشتد النهار، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر، وصففنا وراءه، فصلى ركعتين، ثم سلم وسلمنا حين سلم، فحبسته على خزيرة تصنع له، فسمع أهل الدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت، فقال رجل: ما فعل مالك لا أراه؟ فقال رجل. ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقل ذلك، ألا تراه قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله تعالى. فقال: الله ورسوله أعلم، أما نحن فوالله ما نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله. متفق عليه. والخزيرة هي دقيق يطبخ بشحم، وقوله ثاب رجال أي جاءوا واجتمعوا. أصلي لقومي أي أؤمهم. اجتيازه أي أقطعه مارا فيه. قبل مسجدهم أي جهته. أنكرت بصري أي فقدته أو ساء بصري وضعف. فيشق أي فيصعب. وددت أي تمنيت. اشتد النهار أي علا وارتفعت الشمس. حبسته أي منعته من الرجوع لإكرامه وإضافته. ألا ترى أي ألا تعلمه. من فوائد الحديث: حرص أهل الإيمان على حضور صلاة الجماعة والمحافظة عليها. الرخصة في التخلف عن صلاة الجماعة لعذر يمنع الناس من أدائها. سؤال أهل الذكر، والاعتذار إليهم في الحكم الذي لا يقدر عليه إلا بمشقة. جواز اتخاذ مصلى في البيت، والصلاة فيه أفضل من بقية البيت. جواز إمامة الأعمى. جواز إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون ذلك من باب الشكوى. ينبغي على المسلم تلبية الدعوة وإجابة أخيه المسلم. جواز الاقتداء بصلاة النوافل. جواز الدخول على الإخوان لزيارة أهل الفضل إذا علم إذنهم. الشهادة بالإيمان لمن قال لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله. عدم جواز الظن السوء بأهل الإيمان لمجرد الشبهة. وجوب الدفاع عن أهل الإيمان والذب عن أعراضهم في غيبتهم ونصرتهم وعدم خذلانهم. رياض الصالحين.