الحلقة (062) باب الرجاء (2)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الرجاء. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله. فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها. متفق عليه. السبي: أي الأسرى. تسعى: أي تعدو وتركض. أترون: أي أتظنون. من فوائد الحديث: رحمة الله تعالى بعباده، وأنه يريد لهم الخير، وأن ينقذهم من النار، ففتح لهم باب التوبة والرجاء والإنابة إليه. الاستفادة من الحوادث وربطها في التوجيه والتعليم بضرب الأمثال لتحصل معرفة الشيء على وجهه الأكمل. ينبغي على المرء أن يكون تعلقه في جميع أحواله وأحيانه بالله وحده، فليقصده العاقل لحاجته. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي، وفي رواية: غلبت غضبي، وفي رواية: سبقت غضبي. متفق عليه. من فوائد الحديث: دليل على علو الله تعالى على خلقه، وأنه فوق عرشه بائن من خلقه. إثبات صفتي الرحمة والغضب لله، ولا يجوز تأويلهما بإرادة الثواب والعقاب؛ لأنه خلاف منهج السلف الصالح رضي الله عنهم. سعة رحمة الله بعباده كافة، وأن رحمته سبقت غضبه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جعل الله الرحمة مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه. وفي رواية: إن لله تعالى مئة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون. وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة. متفق عليه. ورواه مسلم أيضًا من رواية سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله تعالى مئة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسع وتسعون ليوم القيامة. وفي رواية: إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء إلى الأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة. حافرها أي رجلها، والحافر للفرس بمنزلة الظلف للبقر. البهائم جمع بهيمة، وهي ذوات الأربع من الحيوانات، سميت بذلك لعدم نطقها وإبهام أمرها. الهوام هي الحشرات. طباق أي غشاء، والمراد يملأ ذلك ما بين السماء والأرض من كبره وعظمه. من فوائد الحديث: الرحمة التي جعلها الله في قلوب عباده هي من خلقه. والخير الذي أنزله لهم هو من فضله، وكل هذا جزء مما ادخره الله تعالى لعباده المؤمنين يوم القيامة. في هذا الحديث أعظم رجاء وبشارة للمؤمنين، فإذا كان يحصل لهم برحمة واحدة خلقها لهم في هذه الدنيا كل هذا التعاطف بينهم، وكل هذا الخير لهم، فكيف بمئة رحمة يوم القيامة؟ وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه تبارك وتعالى قال: أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء. متفق عليه. وقوله تعالى: فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ. أي ما دام يفعل هكذا يذنب ويتوب، أغفر له، فإن التوبة تهدم ما قبلها. يأخذ بالذنب أي يعاقب عليه إن شاء. من فوائد الحديث: عظم فضل الله تعالى ورحمته على عباده، ما دام يعتقدون أن ربهم بيده مقاليدهم، إن شاء غفر وإن شاء عاقب. أن التوبة الصحيحة تكفر الذنب. المؤمن بالله تعالى يصفو قلبه بالتوبة، ويعمل بعفو ربه، فيبادر إلى الصلاح وعمل الخير، وإن وقع منه ذنب استدرك على نفسه بالتوبة، ولم يصر على المعصية. هذا الحديث دليل على أنه لو تكرر الذنب مئة مرة أو أكثر، وتاب في كل مرة، قُبلت توبته، وسقطت ذنوبه، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم. رواه مسلم. وعن أبي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. لَوْلَا أَنْكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ. رواه مسلم. من فوائد الحديث: بيان فضل الله تعالى على عباده بالعفو والمغفرة. كل ابن آدم خطاء، فعلى العبد أن يسارع في الاستغفار والتوبة. من حكمة التكليف ظهور أسماء الله المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن خلقه وعتقه لمن شاء من عبيده. ليس في الحديث تحريض على فعل المعصية، ولكن فيه تبشير بالمغفرة، وإزالة لشدة الخوف واليأس من نفوس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يفرون إلى الجبال ويعتزلون الحياة ونعيمها من شدة خوفهم، فكان في ذلك طمأنينة ورجاء لعفو الله ومغفرته. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا قعودًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، معنا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في نفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فأبطأ علينا، فخشينا أن يُقتطع دوننا، ففزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى أتيت حائطًا للأنصار، وذكر الحديث بطوله إلى قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب، فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة. رواه مسلم. من بين أظهرنا، أي من بيننا. يقتطع، أي يؤخذ ويصيبه ضرر. فزعنا، أي خفنا وذهبنا نبحث عنه. أبتغي، أي أطلب. حائطًا، أي بستانًا. مستيقنًا، أي موقنًا ومصدقًا. من فوائد الحديث: شدة حب الصحابة رضي الله عنهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وحرصهم على سلامته من كل مكروه. الإيمان الصحيح يدخل الجنة، إما ابتداءً بمغفرة الله، وإما بعد دخول النار. مشروعية البشارة بالخبر السار. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم صلى الله عليه وسلم: رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس فمن تبعني فإنه مني، وقول عيسى صلى الله عليه وسلم. إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. فرفع يديه وقال: اللهم أمتي، أمتي، وبكى. فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيه. فأتاه جبريل، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم. فقال الله تعالى: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. رواه مسلم. من فوائد الحديث: هذا الحديث من أرجى الأحاديث لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. بيان عظيم رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، واعتناؤه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم. بيان منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الله، وأنه سيعليه حتى يرضيه. من السنة في الدعاء رفع اليدين. إثبات علو الله تعالى على خلقه، وأنه في السماء حيث تتوجه القلوب والأيدي إليه. وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال: يا معاذ، هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا. متفق عليه. وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله تعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. متفق عليه. يثبت، أي يقوي، بالقول الثابت، أي بالحجة والبرهان. من فوائد الحديث: سؤال القبر حق. عناية الله بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة. خير ما فسر به كتاب الله هو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم. رياض الصالحين.