الحلقة (063) باب الرجاء (3)

رياض الصالحين · المقطع 63 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الرجاء. وعن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الكافر إذا عمل حسنة أُطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته. وفي رواية: إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يُعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل لله تعالى في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها. رواه مسلم. يعقبه أي يعطيه، أفضى أي صار إلى الآخرة. من فوائد الحديث بيان عدل الله تعالى مع عباده، وذلك بأن يوفيهم أجورهم حتى الكفرة الفجرة، أن الكافر يجزى على عمله الحسن في الدنيا إما بزيادة ماله أو دفع مكروه عنه، وليس له في الآخرة من نصيب؛ لأن الكفر يحبط الأجر في الآخرة، وأما المؤمن فإنه يجزى عليه في الدنيا والآخرة. وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات. رواه مسلم. الغمر: الكثير. من فوائد الحديث: الصلاة تكفر الذنوب كما يذهب الماء الدنس عن الأبدان. ينبغي على المصلين ألا يركنوا، فإن هذه الفضيلة لا يستحقها إلا من صلى كما أُمر، فأقام أركانها وأتم واجباتها وخشع فيها. يستحب التشبيه وضرب الأمثال للبيان والتوضيح. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه. رواه مسلم. يقوم على جنازته، أي يصلي عليه. من فوائد الحديث: ثبوت الشفاعة للمؤمنين إذا كان الميت من أهل الشفاعة، وشفاعتهم له أن يغفر الله له. الترغيب بتكثير المصلين على الجنازة رجاء حصول المغفرة للميت بفضل الله تعالى. بيان فضل التوحيد والبراءة من الشرك، ففيمن قام على الجنازة شرط، وهو ألا يشرك بالله شيئًا. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة نحوًا من أربعين، فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر. متفق عليه. من فوائد الحديث: جواز التدرج وتكرار البشائر مرة بعد مرة، ليكون أدعى لتجديد الشكر مرة بعد مرة. إن المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم أكثر أهل الجنة، وهذا دليل على مكانة هذه الأمة. لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة. قلة أهل الإيمان بالنسبة لأهل الكفر؛ لأن أكثر الناس كفرة في الدنيا. جواز الحلف بدون استحلاف؛ لتأكيد الحديث باليمين. استحباب ضرب المثل لتقريب الفهم للسامعين. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار. وفي رواية عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، يغفرها الله لهم. رواه مسلم. قوله: دفع إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار، معناه ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار؛ لأنه مستحق لذلك بكفره. ومعنى فكاكك: أنك كنت معرضًا لدخول النار، وهذا فكاكك؛ لأن الله تعالى قدر للنار عددًا يملؤها، فإذا دخلها الكفار بذنوبهم وكفرهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين، والله أعلم. من فوائد الحديث: تشريف الله تعالى لهذه الأمة لإيمانها بالله، وشهادتها على الناس، وقيامها على منهج الله أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر. هوانُ اليهودِ والنصارى على الله، الذين حرفوا كلامَ الله وقتلوا رسله، ولذلك هم قرابين يُفتدى بهم المسلمون. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: ربِّ أعرف. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى صحيفة حسناته. متفق عليه. كنفه ستره ورحمته. من فوائد الحديث: رعاية الله وعنايته بأهل الإيمان، وستره لهم في الدنيا والآخرة. العبد المؤمن لا يكذب في الدنيا والآخرة. الاعتراف يمحو الاقتراف. الحث على ستر المؤمن ما أمكن. إثبات صفة الكلام لله رب العالمين. أعمال العباد يحصيها رب العباد، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وهو تحت مشيئة الله. وعن ابن مسعود رضي الله عنه. أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله تعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات، فقال الرجل: ألي هذا يا رسول الله؟ قال: لجميع أمتي كلهم. متفق عليه. طرفي النهار، أي غدوةً وعشيةً. زلفاً من الليل، أي ساعاتٍ منه قريبةً من النهار. من فوائد الحديث: الصلاة تكفر ما كان من الذنوب. استحباب ستر العاصي وعدم تسميته. هذا الحديث يؤكد أن العبرة بعموم الحكم لا بخصوص السبب. القبلة واللمس والغمز لا حد فيها، وإنما تستوجب التعزير. وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أصبت حداً فأقمه علي، وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله، إني أصبت حداً فأقم فيَّ كتاب الله. قال: هل حضرت معنا الصلاة؟ قال: نعم. قال: قد غُفِرَ لك، واتفقوا عليه. وقوله: أصبت حدًّا، معناه معصيةً توجب التعزير، وليس المراد الحد الشرعي الحقيقي كحد الزنا والخمر وغيرهما، فإن هذه الحدود لا تسقط بالصلاة، ولا يجوز للإمام تركها. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها. رواه مسلم. الأكلة هي المرة الواحدة من الأكل، كالغدوة والعشوة، والله أعلم. من فوائد الحديث: استحباب الحمد عند كل طعام وشراب، لأن ذلك من آداب الطعام. المؤمن يبتغي وجه الله في مأكله ومشربه، ويطلب ذلك ليستعين به على طاعة الله. إثبات صفة الرضا لله سبحانه وتعالى. وعن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها. رواه مسلم. رياض الصالحين.