الحلقة (065) باب فضل الرجاء، وباب الجمع بين الخوف والرجاء

رياض الصالحين · المقطع 65 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الرجاء. قال الله تعالى إخبارًا عن العبد الصالح: وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد، فوقاه الله سيئات ما مكروا. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لَله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه هرولة. متفق عليه. وهذا لفظ إحدى روايات مسلم، وروي في الصحيحين: وأنا معه حين يذكرني بالنون، وفي هذه الرواية: حيث بالثاء، وكلاهما صحيح. عند ظن عبدي بي، أي في رجائي وحسن الظن بي. ضالته، أي راحلته التي أضاعها وكان عليها زاده وشرابه. الفلاة، أي الأرض التي لا ماء فيها. من فوائد الحديث: إثبات صفات الكلام والفرح والإتيان لله تبارك وتعالى، والواجب في هذا الباب إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. الحث على حسن الظن بالله ورجاء رحمته، والمبادرة إلى التوبة والتقرب إليه بالطاعات. إثبات المعية الخاصة بالمؤمنين، وهي تقتضي الرعاية والحفظ والتوفيق والنصر والتأييد، وهي غير المعية العامة التي تشمل الخلق كافة وتكون بالعلم. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل. رواه مسلم. لا يموتن، أي ليحرص أن يأتيه الموت وهو على هذه الحالة، يحسن الظن، أي يرجو رحمته وعفوه. من فوائد الحديث: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إرشاد أمته، وشدة رأفته بها في جميع أحواله، حتى وهو في مرض موته صلى الله عليه وسلم ينصح لأمته ويدلها على مسالك النجاة. التحذير من اليأس والقنوط، والحث على الرجاء، وبخاصة عند الموت. وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة. رواه الترمذي. عنان السماء، قيل هو ما عنَّ لك منها، أي ظهر إذا رفعت رأسك، وقيل هو السحاب، وقراب الأرض هو ما يقارب ملأها، والله أعلم. من فوائد الحديث: سعة فضل الله عز وجل وكرمه، فإن رحمته وسعت كل شيء. الحث على الاستغفار والدعاء والرجاء من الله سبحانه. فضل التوحيد، فإن الذنوب مهما كثرت وفحشت يرجى غفرانها من الله عز وجل ما دام العبد لا يشرك بالله شيئًا. باب الجمع بين الخوف والرجاء. اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفًا راجيًا. ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يتمحض الرجاء، وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك. قال الله تعالى: فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ. وقال تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ. وقال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. وقال تعالى: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ. والآيات في هذا المعنى كثيرة، فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الحث على الخوف من عقاب الله تعالى، والأمل في ثوابه ومغفرته ورضوانه. لا ينبغي للعبد أن يركن لعمله ويغتر به، ولا يترك العمل أملاً بسعة رحمة الله تعالى ومغفرته. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا وُضِعت الجنازة، واحتملها الناس أو الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه صعق. رواه البخاري. وُضِعت: أي جُعلت في السرير بين أيدي الرجال ليحملوها. قدموني: أي عجلوا بي. يا ويلها: كلمة جزع وتحسر. صعق: أي غشي عليه، وذلك لشدة الصوت الذي يسمعه. من فوائد الحديث: السنة حمل الجنازة على أعناق الرجال. حمل الجنائز خاص بالرجال دون النساء. الله تعالى يطلع عباده على منازلهم وما أُعِدَّ لهم في هذه الحال، فيشتاق المؤمن لما أُعِدَّ له من الكرامة. ويجزع الكافر والفاسق لما يترقبه من أليم العذاب. بعض الأصوات يسمعها غير الإنسان، ولا يستطيع الإنسان سماعها، وهذا من المعجزات، فقد أثبت العلم الحديث ذلك. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك. رواه البخاري. رياض الصالحين.