الحلقة (066) باب فضل البكاء من خشية الله تعالى
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقًا إليه. قال الله تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا. وقال تعالى: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي القرآن. قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا. قال: حسبك الآن. فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه. بشهيد: أي شاهد يشهد عليها بعملها، وهو نبيها. حسبك: أي يكفيك ذلك. تذرفان: أي تسيل دموعهما. من فوائد الحديث. بيان لفضائل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث أحب الرسول صلى الله عليه وسلم كلام الله من فيه. يدل هذا الحديث على حرص ابن مسعود على تطلب القرآن وحفظه وإتقانه. استحباب سماع القرآن من الآخرين، فهو أدعى للتدبر والتفكر. جواز قراءة الطالب على المعلم. جواز أمر الآخرين بقطع القراءة إذا كان في قطعها مصلحة، بقوله: حسبك. الحث على تدبر القرآن عند تلاوته أو سماعه حتى يكون له أثر في النفس. فضيلة البكاء خشية من الله عز وجل عند سماع آياته، مع التزام السكون وحسن الصمت وعدم الصراخ. قال الإمام القرطبي رحمه الله: وهذه أحوال العلماء، يبكون ولا يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتموتون. وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم. رواه الترمذي. يلج: أي يدخل. يعود اللبن في الضرع: أي يرجع الحليب إلى الثدي من مسامه، وهو مستحيل. غبار في سبيل الله: أي في جهاد أعداء الدين إرضاءً لله تعالى. من فوائد الحديث: البكاء من خشية الله تعالى يبعث على الاستقامة، فيكون وقاية من عذاب النار. فضل الجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمته. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. متفق عليه. وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. رواه أبو داود والترمذي. لجوفه، أي صدره وداخله. أزيز المرجل، أي غليان القدر. من فوائد الحديث: جواز نقل صفة الخاشع الذي يقتدي به الناس ليتأسوا به. بيان لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من كمال الخوف من الله، وهذا دليل على كبير علمه بالله تعالى، ومعرفته بقدرته، وعلى قدر ذلك يكون العمل. من ظهرت عليه أمارات الخشوع لا يعد مرائيًا ما لم يقصد ذلك. البكاء في الصلاة لا يبطلها، ولا يخرج صاحبها عن الخشوع، بل هو أمارة ذلك. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب رضي الله عنه: إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك. لم يكن الذين كفروا. قال: وسماني؟ قال: نعم. فَبَكَى أُبَيٌّ، متفق عليه، وفي رواية: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي. من فوائد الحديث: بيان لفضائل أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه، وأنه من الراسخين في حفظ القرآن الكريم وتلاوته، وهو أقرأ الصحابة كما ثبت ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم. مشروعية التواضع في أخذ العلم من أهله وإن كان دونه، فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ على أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه بأمر من الله سبحانه وتعالى. قال ابن كثير: وإنما قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة تثبيتًا له وزيادةً لإيمانه. جواز البكاء عند الفرح والسرور وحصول النعم. استحباب عرض القرآن على الآخرين مما يؤدي إلى إتقان الحفظ، وهذه سنة متبعة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، وفي العام الذي قُبِض فيه عرض عليه القرآن مرتين، ولم يزل حفاظ القرآن وقراؤه على ذلك. قال القرطبي: وخص هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص، والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة والزكاة، والمعاد وبيان أهل الجنة والنار مع وجازتها. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق بنا إلى أم أيمن رضي الله عنها نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها. فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، قيل له في الصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء. فقال: مروه فليصل. وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء. متفق عليه. اشتد، أي قوي وعظم. قيل له في الصلاة: أي من يقيمها للقوم ويؤم بهم فيها. مقامك، أي إمامًا بالناس. من فوائد الحديث: فضيلة أبي بكر رضي الله عنه، وما كان عليه من خشية الله عز وجل. في هذا الحديث دليل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. استحباب رقة القلب والبكاء عند تلاوة القرآن. جواز أن ينيب الإمام رجلًا ليصلي بالناس. وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أتي بطعام وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه. ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا. ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. رواه البخاري. بسط، أي وسع. حسناتنا عجلت لنا. أي أعطينا جزاء أعمالنا الصالحة في الدنيا، فلم يبق لنا شيء مدخر للآخرة. من فوائد الحديث: استحباب تذكر سير الصالحين والزهاد ليقلل الإنسان من تمسكه بالدنيا. بيان لفضائل السابقين الأولين، كمصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما، وغيرهما ممن قتل في سبيل الله أول الأمر. ينبغي على المرء أن يذكر أصحابه وإخوانه بجميل فعالهم وحسن مناقبهم، وأن يستغفر لهم، وأن يتجنب ذكر ما يسوءهم أو يتنقصهم. الحث على التقلل من الدنيا وزينتها، والحذر من التوسع فيها والاشتغال بها، والتقصير عن الواجبات بسببها. شدة خوف الصحابة رضوان الله عليهم من الله. ينبغي على المرء أن ينظر في الطاعة إلى من فوقه، وفي أمور الدنيا بمن دونه، ليبقى حريصًا على الاستكثار من الطاعة، شاكرًا لأنعم الله وجزيل فضله. وعن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس شيء أحب إلى الله تعالى من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله. وأما الأثران، فأثر في سبيل الله تعالى، وأثر في فريضة من فرائض الله تعالى. رواه الترمذي. أثر، أي ما بقي من الشيء دلالةً عليه. من فوائد الحديث: فضل البكاء من خشية الله تعالى؛ لأنه دليل الإيمان بالله الصادق. فضل الجهاد، وثواب من جرح وسال دمه في سبيل الله، وبقي عليه أثر جرحه المندمل. فضل التقرب إلى الله تعالى بما افترضه على عباده، والسعي في أدائها حيث أمر الله. وفي الباب أحاديث كثيرة، منها حديث العِرْباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. رياض الصالحين.