الحلقة (067) باب فضل الزهد في الدنيا (1)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر. قال تعالى: إنما مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون. وقال تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً. المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً. وقال تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته. ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. وَقَالَ تَعَالَى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. وَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. وَقَالَ تَعَالَى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَالآيَاتُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، فَنُنَبِّهُ بِطَرَفٍ مِنْهَا عَلَى مَا سِوَاهُ. عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا. فَقَدِمَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. بَعَثَ، أَيْ أَرْسَلَ، بِجِزْيَتِهَا، أَيْ بِجِزْيَةِ أَهْلِهَا، وَكَانَ غَالِبُهُمْ مَجُوسًا. فَوَافَوْا، اجْتَمَعُوا وَحَضَرُوا صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَتَعَرَّضُوا لَهُ، أَيْ قَصَدُوا لَهُ يُشْعِرُونَهُ بِحَاجَتِهِمْ. أَمِّلُوا، أَيْ بَشِّرَهُمْ بِحُصُولِ مَقْصُودِهِمْ. تُبْسَطْ، أَيْ تُوَسَّعْ. فَتَنَافَسُوهَا، مِنَ الْمُنَافَسَةِ، وَهِيَ الرَّغْبَةُ فِي الشَّيْءِ وَمَحَبَّةُ الْانْفِرَادِ بِهِ وَالْمُغَالَبَةُ عَلَيْهِ. فَتُهْلِكَكُمْ، أَيْ فَتَذْهَبَ بِدِينِكُمْ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ. تحذير من فُتِحَت عليه زهرة الحياة الدنيا من سوء عاقبتها وشر فتنتها، فلا ينبغي أن يطمئن إلى زخرفها. التنافس في الدنيا يجر الإنسان إلى فساد الدنيا والدين، لأن المال مرغوب فيه، فترتاح النفس لطلبه، فتتمتع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك. جواز مصالحة أهل الكتاب على الجزية، والمجوس يسن فيهم سنة أهل الكتاب. ينبغي على العامل أن يأتي بالمال جميعه إلى إمام المسلمين ليصرفه كما أمر الله. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها. متفق عليه. من فوائد الحديث: التعلق بالدنيا يفسد الدين ويشغل عن الآخرة. شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته وحرصه على نجاتهم ورحمته بهم. إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن حال أمته وما سيفتح عليهم من زينة الحياة الدنيا وفتنتها. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء. رواه مسلم. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. متفق عليه. من فوائد الحديث: العاقل لا يفرح بما يسره في الدنيا لانقضائها. اهتمام المؤمن بما عند الله؛ لأنه هو الباقي الذي لا ينقل نعيمه ولا يموت أهله. الدنيا دار عبور للآخرة. وعن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله. متفق عليه. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط. رواه مسلم. أنعم أهل الدنيا، أي أكثرهم تنعمًا ورفاهية، يُصبغ، أي يُغمس، بؤسًا، أي فقرًا وشدة. من فوائد الحديث: الدنيا بنعيمها وبؤسها زائلة فانية. أهل النعيم في الدنيا من غير المؤمنين هم أهل الشقاء في الآخرة. إنعام الله تعالى على أهل الفساد في الدنيا ليس دليل محبة، إنما هو استدراج وتعجيل لهم بالطيبات، حتى إذا لاقوا الله عز وجل لم يكن لهم في الآخرة نصيب إلا العذاب. نعيم الجنة يُنسي أهل الإيمان والصبر واليقين شقاء الدنيا وبؤسها. وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع. رواه مسلم. اليم: البحر. بِمَا يَرْجِعُ، أيْ بِأَيِّ شَيْءٍ يَرْجِعُ. من فوائد الحديث: الدنيا لا تخدع عاقلًا، وإنما تغر من كان جاهلًا، فمتاعها في الآخرة قليل. جواز ضرب الأمثال الحسية للوقوف على المعنى المجرد. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ ثم قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا أنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم. رواه مسلم. قوله كنفتيه، أي عن جانبيه. والأسك: الصغير الأذن. الجدي: الذكر من أولاد المعز، والأنثى عناق. كان عيبًا، أي كان معيبًا. أهون على الله، أي أذل وأحقر. من فوائد الحديث: ينبغي على أهل العلم والدعاة تذكير الناس بحقارة الدنيا. وحثهم على الزهد فيها، وتحذيرهم من الركون إليها. لمس النجس إذا لم تكن رطوبة من أحد الجانبين لا ينجس، والدليل قوله صلى الله عليه وسلم: إذا دبغ الإهاب فقد طهر. الدنيا وما فيها أذل وأحقر عند الله من هذا الجدي الميت عند الناس. ضرب الأمثال للناس بما يعقلونه يقرب المراد، ويوضح القصد، ويؤكد الفهم، ويوقفهم على حقائق الأشياء. رياض الصالحين.