الحلقة (068) باب فضل الزهد في الدنيا (2)

رياض الصالحين · المقطع 68 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة بالمدينة، فاستقبلنا أُحد، فقال: يا أبا ذر. قلت: لبيك يا رسول الله. فقال: ما يسرني أن عندي مثل أُحد هذا ذهبًا تمضي عليَّ ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيء أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه. ثم سار فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم. ثم قال لي: مكانك لا تبرح حتى آتيك. ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى، فسمعت صوتًا قد ارتفع، فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي صلى الله عليه وسلم، فأردت أن آتيه، فذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك. فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ لَهُ. فَقَالَ: وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، لَسَرَّنِي أَلَّا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. حَرَّةٌ: هِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سَوْدَاءَ. أَرْصُدُهُ: أَيْ أُعِدُّهُ وَأَحْفَظُهُ. إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمُرَادُ الْإِكْثَارُ مِنَ الْمَالِ وَالْإِقْلَالُ مِنَ الثَّوَابِ. مَكَانَكَ: أَيْ الْزَمْ مَكَانَكَ. لَا تَبْرَحْ: أَيْ لَا تَتْرُكْ مَكَانَكَ. تَوَارَى: أَيْ غَابَ شَخْصُهُ عَنِ النَّظَرِ فَلَمْ أَعُدْ أَرَاهُ. عَرَضَ: أَيْ تَعَرَّضَ لَهُ بِسُوءٍ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: تَوَاضُعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَعَدَمُ تَرَفُّعِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. حسن أدب أبي ذر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشدة حرصه على سلامته من كل مكروه. جواز حفظ المال لصاحب دين غائب، أو لأجل وفاء دين مؤجل حين يحل، لأن وفاء الدين مقدم على صدقة التطوع. الحث على الإنفاق في سبيل الله وعدم كنز الأموال. جواز تكنية المرء نفسه لغرض صحيح، كأن تكون كنيته أشهر من اسمه. وجوب امتثال الأمر والوقوف عنده، أولى من ارتكاب ما يخالفه بالرأي، ولو كان فيما يقتضيه الرأي توهم دفع مفسدة، حتى يتحقق ذلك، فيكون دفع المفسدة أولى. استجابة الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم مخالفته. جواز استفهام الشيخ من تلميذه على ما يحصل له فائدة علمية أو غير ذلك. جواز مراجعة التلميذ لشيخه للتأكد أو إزالة أمر يشتبه. لا ينبغي الإلحاح في المراجعة، ومن فعل ذلك جاز للشيخ زجره بما يليق به، كزجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر، كما في بعض الروايات بقوله: رغم أنف أبي ذر. مرتكب الكبيرة ليس بكافر. السنة وحي من الله، كان ينزل بها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكنها وحي غير متلو. جواز استعمال لو عند تمني الخير. زهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية للبخاري: إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه. أسفل منكم، أي أدنى منكم في أمور الدنيا. أجدر، أي أحق. تزدروا، تستصغروا وتحتقروا. من فوائد الحديث: استحباب نظر المسلم لمن هو أدنى منه في أمور الدنيا، والنظر لمن هو أعلى منه في أمور الدين. النظر إلى من هو أكثر منه مالًا يؤدي إلى الضجر والقلق وعدم شكر نعم الله عليه. النظر إلى من هو أعلى منه دينًا يحفز على المزيد من الطاعة والإقبال على الله تعالى بالعبادة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعطَ لم يرضَ. رواه البخاري. تعس: أي هلك. القطيفة: ثوب له خمل. الخميصة: أي الكساء المربع. من فوائد الحديث: التحذير من العبودية لغير الله، وخاصة لهذه الأشياء الفانية كالمال والكساء. العبودية لله تورث الرضا والقناعة، على خلاف العبودية لغير الله، فإنها تولد الشح والبخل والهلع والأثرة. المذموم من الجمع والملك ما زاد على الحاجة، وشغل عن الله تعالى، ولم يُستعمل في أمر الله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته. رواه البخاري. أهل الصفة هم زهاد من الصحابة فقراء غرباء، كانوا يأوون إلى صفة في آخر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وهي موضع مظلل، كانت تأوي إليه المساكين. رداء، أي ما يستر أعالي البدن فقط، والإزار ما يستر أسافل البدن فقط. من فوائد الحديث: جواز لبس الثوب الواحد، حرص المؤمن على ستر عورته، جواز مبيت الرجال في المسجد، زهد أهل الصفة وانقطاعهم للعلم والجهاد في سبيل الله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. رواه مسلم. من فوائد الحديث: هوان الدنيا على الله، تحريض المؤمن على الإعراض عن محبة الدنيا وعدم الانغماس في متاعها وتشوقه إلى الدار الآخرة، الكافر تذهب طيباته في حياته الدنيا. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبيَّ فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري. قالوا في شرح هذا الحديث: معناه. لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله، وبالله التوفيق. من فوائد الحديث: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكب عبد الله بن عمر دليل على محبته له، وتنبيهه إلى أهمية ما يقوله له. حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إيصال الخير لأمته. الحض على الزهد في الدنيا والاقتصار على ما لا بد منه، ومن أراد ذلك كان كعابر السبيل، فإنه لا يتزود إلا لقوته، ويتخفف من الأحمال والأثقال التي تعيق سيره وتقطع سفره إلى مقصده. المؤمن في الدنيا غريب؛ لأن الجنة هي موطنه الأول، أخرجه منه عدوه وسباه، فهو يتزود بما يبلغه المحل الأعلى. المبادرة إلى عمل كل شيء في وقته. الحث على اغتنام الفرص للمزيد من الطاعة وعدم التباطؤ فيها. الصحة والحياة فرصة للمؤمن يجب أن يستفيد منها بأعمال الخير، فلا ينبغي له أن يفرط فيهما فيما لا ينفعه في آخرته. وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس. رواه ابن ماجه. من فوائد الحديث: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة ما يقربهم إلى الله وينفعهم في الناس، لتستقيم حياتهم معهم، وهو من باب جمع خيري الدنيا والآخرة. من تقلل في الدنيا وتطلع إلى ما عند الله، واشتاق إلى لقائه أحبه الله، لأن من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. عدم التطلع إلى ما في أيدي الناس مدعاة لمحبة الناس، ولذلك كان الرسل جميعًا لا يسألون الناس أجرًا. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه. رواه مسلم. والدقل: أي رديء التمر. ما أصاب الناس، أي ما حازوه وحصلوا عليه. من الدنيا، أي من المال والجاه وغير ذلك، يظل اليوم يلتوي، أي يظل اليوم يتعطف على بطنه الشريف من الجوع. من فوائد الحديث: ينبغي على الأصحاب والتلاميذ معرفة حال كبيرهم ومعالمهم، فيتألمون لحاله ويفرحون لسروره، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وصبره على الجوع إيثارًا للآخرة على الدنيا وتربيةً لأصحابه. رياض الصالحين.