الحلقة (069) باب فضل الزهد في الدنيا (3)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها وفضل الفقر. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني. متفق عليه. شطر شعير، أي شيء من شعير، كذا فسره الترمذي. ذو كبد، أي أي حيوان. شطر شعير، أي بعض شعير. والشطر يطلق على النصف وما قاربه، وليس مرادًا هنا. رف، أي خشب يرفع عن الأرض يوضع فيه ما يراد حفظه، أو شبه طاق في الحائط، والأخير أقرب إلى المراد. ففني، أي فرغ ونفد. من فوائد الحديث: إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن الدنيا، وقد دانت له الجزيرة العربية وجاءته ثمراتها، ومع ذلك فلم يوجد في بيت أحب نسائه إليه إلا هذا الشيء اليسير من الشعير. تستثنى نفقة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من تركته التي لا تورث. فالذي في بيت عائشة رضي الله عنها كان بقية نفقتها التي تختص بها، ولو لم تكن تستحق النفقة بعد موته صلى الله عليه وسلم لأخذ الشعير منها. يدل الحديث على استحباب الاقتصاد في النفقة، وما يسد الجوع، فإن ذلك نصف العيش. من معجزاته صلى الله عليه وسلم تكثير الطعام القليل، وما شعرت به عائشة رضي الله عنها من هذا الباب، فهو من بركة النبي صلى الله عليه وسلم التي تستسلم التسليم والتفويض. كانت عائشة رضي الله عنها تأكل من ذلك الشعير ولا تحس بنقصه، فلما كالته نفد ذلك الشعير لمنافاة الكيل في الإنفاق بركة التسليم، حيث ينظر إليه بعين الحرص، فتكون الغفلة عن شكر المنعم على ذلك. من رزقه الله شيئًا أو أكرمه بكرامة أو لطف به في أمر، فالمتعين عليه موالاة الشكر، ولا يحدث في تلك الحالة تغييرًا. الكيل عند المبايعة مطلوب من أجل تعلق حق المتبايعين، وأما الكيل عند الإنفاق فلقد يبعث على الشح، فلذلك كره. وعن عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنهما قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته دينارًا ولا درهمًا. ولا عبداً ولا أمة، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة. رواه البخاري. وأرضاً، أي هي نصف أرض فدك، وثلث وادي القرى، وسهم من خمس خيبر، وضيعة من أرض بني النضير. من فوائد الحديث: فيه دلالة أن من ذُكر من أرقاء النبي صلى الله عليه وسلم إما مات، أو أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم. الأنبياء لا يورثون درهماً ولا ديناراً، ما تركوه صدقة. وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله تعالى، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير رضي الله عنه، قُتل يوم أحد وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه شيئاً من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهذبها. متفق عليه. النمرة: كساءٌ ملوَّنٌ من صوف، وقوله: أينعت، أي نضجت وأدركت، وقوله: يهديبها، أي يقطفها ويجتنيها، وهذه استعارةٌ لما فتح الله تعالى عليهم من الدنيا وتمكنوا فيها. نلتمس، أي نطلب، فوقع، أي ثبت وكتب، لم يأكل، أي لم يُصب من المال، الإذخر: هو نباتٌ طيب الرائحة. من فوائد الحديث: بيان لصدق السلف الصالح في وصف أحوالهم، الصبر مع مكابدة الفقر وخشونة العيش من منازل الأبرار، فيه إشارة أن الكفن ينبغي أن يكون طائلاً سابغاً ساتراً لجميع البدن، فإن ضاق الكفن عن ذلك ولم يتيسر الساتر السابغ، ستر به رأسه وما طال من جسمه، وما بقي مكشوفاً جُعل عليه شيء من الإذخر أو غيره من الحشيش، الشهيد لا تُنزع ثيابه بل يُدفن بها فهي كفنه، ولذلك كُفّن مصعب بن عمير رضي الله عنه بنمرته، وغطي بالإذخر لأنها ضاقت ولم تستر جسمه، الكفن أو ثمنه يكون من مال الميت ولو لم يخلف غيره، هجرة السابقين الأولين لم تكن لدنيا يصيبونها أو نعمة يتعجلونها. وَإِنَّمَا كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ لِيُثِيبَهُمْ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ. تذكر سير الصالحين يجعل العبد يتقلل من الدنيا، ويتفلت من حبائلها، ويتخفف من أثقالها، وينطلق ليلحق بركبهم. وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: هوان الدنيا على الله وسقوطها عنده، وكذلك طلابها الذين أصبحت أكبر همهم ومبلغ علمهم. قيمة الدنيا بأن تجعل طريقًا للدار الآخرة، ومستنبتًا للأعمال الصالحة. جواز ضرب المثل لتقريب المعنى للسامع. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا إن الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله تعالى وما والاه، وعالمًا ومتعلمًا. رواه الترمذي. ملعونة: أي ساقطة مبغوضة. ملعون ما فيها: أي من الأموال والأمتعة والشهوات وغيرها. وَمَا وَالَاهُ، أيْ وَمَا دَانَاهُ. من فوائد الحديث: جواز لعن كل ما يبعد عن الله تعالى ويلهي عن ذكره، وعليه يُحمل حديث الباب. كل ما في الدنيا فهو لعب ولهو إلا ذكر الله تعالى وما كان سببًا في ذلك. بيان لفضل العلم وأهله وطلابه. الناس في طلب العلم قسمان: عالم أو متعلم، وهما على سبيل رشد ونجاة. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا. رواه الترمذي. الضيعة أي العقار. فترغبوا في الدنيا أي تركنوا إليها، فتنشغلوا بذلك عن صلاح الآخرة. من فوائد الحديث: حمل أهل العلم هذا الحديث على النهي عن الاستكثار من الضياع، مما يؤدي إلى انصراف القلب إليها، حيث يفضي ذلك بصاحبه إلى الركون إلى الدنيا. أما الذي يتخذ من العقار ما يسد كفايته فليس بمنهي عنه، والله أعلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصًّا لنا. فقال: ما هذا؟ فقلنا: قد وهى، فنحن نصلحه. فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك. رواه أبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم. نعالج، أي نصلح. خصا: هو بيت يعمل من خشب وقصب ويصلح بالطين، وسمي به لما فيه من الخصاص، وهي الفرج والأثقاب. وهى: أي ضعف وهم بالسقوط. الأمر: أي الأجل. أعجل: أي أسرع. من فوائد الحديث: جواز معالجة البيت وإصلاحه إذا فسد ووهى وتعرض للسقوط. ينبغي على الإمام أن يتفقد أحوال رعيته ويحثهم على ما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة. بيان سرعة انقضاء الدنيا. على الإنسان ألا يشتغل من الدنيا بما يشغله عن الآخرة وينسيه مصيره المحتوم. وعن كعب بن عياض رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال. رواه الترمذي. فتنة: أي امتحان واختبار، ويستعمل في الخير والشر. قال تعالى. ونبلوكم بالشر والخير فتنة. فتنة أمتي أي ما تمتحن به في دنياها. من فوائد الحديث بيان لما ابتلى الله به هذه الأمة، وهو المال، حيث يظهر به صدق التزامهم وزكاة نفوسهم، وتمسكهم بمنهجهم أو غير ذلك. شدة ميل النفوس للمال، وهو كما قال الله: وتحبون المال حبا جما. الحرص على المال والتعلق به سبب في فساد ذات البين، لأنه يورث الشح، والشح يفضي إلى تقطيع الأرحام. رياض الصالحين.