الحلقة (070) باب فضل الزهد في الدنيا (4)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الزهد في الدنيا، والحث على التقلل منها، وفضل الفقر. وعن أبي عمرو، ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو ليلى، عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز، والماء. رواه الترمذي. قال الترمذي: سمعت أبا داود سليمان بن سالم البلخي يقول، سمعت النضر بن شميل يقول: الجلف الخبز ليس معه إدام. وقال غيره: هو غليظ الخبز. وقال الهروي: المراد به هنا وعاء الخبز، كالجوالق والخرج، والله أعلم. كالجوالق، أي كالأوعية. من فوائد الحديث: الاقتصار على حد الكفاية في هذه الحياة الدنيا من بيت يسكنه، وثوب يستر عورته، والخبز والماء. وعن عبد الله بن الشخير، بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين رضي الله عنه. أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ألهاكم التكاثر. قال: يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. رواه مسلم. فأفنيت، أي أذهبت وأتلفت. فأبليت، من الإبلاء، وهو إخلاق الجديد. فأمضيت، أي أنفذت الصدقة ودفعتها إلى من يستحقها. من فوائد الحديث: الناس منشغلون بالفاني لاهون عن الباقي، مهما جمع الإنسان من المال فإنه لا يأخذ منه إلا ما ذكر في الحديث. العبد يجمع المال لغيره، ويغفل أنه سيحاسب هو على ذلك. ما عند الناس ينفد، وما عند الله هو الباقي. وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، والله إني لأحبك. فقال: انظر ماذا تقول. قال: والله إني لأحبك ثلاث مرات. فقال: إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا. فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. التَّجْفَافُ هُوَ شَيْءٌ يُلْبِسُهُ الْفَرَسُ لِيُتَّقَى بِهِ الْأَذَى، وَقَدْ يَلْبَسُهُ الْإِنْسَانُ. فَأَعِدَّ، أَيْ فَهَيِّئْ، إِلَى مُنْتَهَاهُ، إِلَى مَكَانِ وُصُولِهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا وَعَدَمُ الِانْغِمَاسِ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ الْمُحِبَّ الصَّادِقَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّصِفَ بِصِفَاتِ مَحْبُوبِهِ. وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. بِأَفْسَدَ لَهَا، أَيْ بِأَكْثَرَ فَسَادًا لِلْغَنَمِ. الشَّرَفُ، أَيْ الْجَاهُ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْحِرْصُ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْجَاهِ وَالرِّفْعَةِ يُفْسِدُ الدِّينَ، لِأَنَّ تَفْضِيلَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ظَاهِرٌ فِيهِمَا. مَنْ اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعِيَّةً فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحُوطَهَا بِمَا يَنْفَعُهَا، وَيَقِيَهَا مَوَاطِنَ الْهَلَكَةِ، وَيَحْرُسَهَا مِنْ أَعْدَائِهَا. وَأَوَّلُ رَعَايَا الْعَبْدِ نَفْسُهُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، يَجِبُ أَنْ يَقِيَهَا نَارَ جَهَنَّمَ. النفس طماعة، فينبغي على المرء أن يعلمها القناعة؛ لأنه إن لم يفطمها أوردته المهالك. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء. فقال: ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها. رواه الترمذي. وطاء: أي فراشًا وطيئًا تستريح عليه. من فوائد الحديث: بيان زهد النبي صلى الله عليه وسلم. مراقبة التلميذ لحال شيخه ليتعلم منه السمت الحسن. يستحب للتلميذ عرض ما يدفع الضرر عن شيخه. الدنيا دار ممر وعبور، والمرء فيها عابر سبيل. الاهتمام بعمارة الآخرة بالأعمال الصالحة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: فضل الفقراء مع العمل الصالح على الأغنياء مع العصيان. أصحاب الأموال سيسألهم الله عن المال من أين اكتسبوه، وأين وضعوه، وأنفقوه. ينبغي على العبد أن يأخذ من الدنيا ما يبلغه المحل والدار الآخرة. وعن ابن عباس وعمران بن الحصين رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء. متفق عليه من رواية ابن عباس، ورواه البخاري أيضًا من رواية عمران بن الحصين. اطلعت، أي أشرفت وتأملت، فرأيت، أي علمت. من فوائد الحديث: الفقراء في الجنة أكثر من الأغنياء، والفقير لم يدخل الجنة بسبب فقره، وإنما دخلها بعمله الصالح. التحريض على ترك التوسع في الدنيا والاستزادة من متاعها. حض النساء على الأعمال الصالحة ليحفظن أنفسهن من النار. وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار. متفق عليه. والجد: أي الحظ والغنى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. متفق عليه. كلمة: أي جملة مفيدة مطابقة للواقع. لبيد: هو لبيد بن ربيعة، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية من أهل عالية نجد. أدرك الإسلام ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم، ويعد من الصحابة ومن المؤلفة قلوبهم. ترك الشعر بعد إسلامه، وعاش عمراً طويلاً. ما خلا الله: أي ما عدا الله وصفاته. من فوائد الحديث: استشهاد النبي صلى الله عليه وسلم بالشعر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشهد بشطر البيت. إن من الشعر لحكمة. نقصان الحياة الدنيا؛ لأن مصيرها الفناء والهلاك. تصديق الحق وأخذه إذا وجده العبد المسلم فهو أولى الناس به. رياض الصالحين.