الحلقة (071) باب فضل الجوع وخشونة العيش وترك الشهوات (1)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الجوع وخشونة العيش، والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس، وترك الشهوات. قال الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا. وقال تعالى: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ ۖ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا. وَقَالَ تَعَالَى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ. وَقَالَ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. والآيات في الباب كثيرة معلومة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض، متفق عليه. وفي رواية: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاثة ليال تباعًا حتى قبض. آل محمد: المراد بهم أزواجه ومن يعولهم من خدمه. البر: أي القمح. من فوائد الحديث: إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم وأهله عن الدنيا وزهدهم فيها. جواز ترك الطعام تزهدًا من غير إفساد وخروج عن الشرع. الحث على عدم الشبع من الطعام؛ لأنه يحدث الخمول وكثرة النوم، ويترتب على ذلك تفويت كثير من الطاعات. وعن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: والله يا ابن أختي، إنا كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح. وَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَسْقِينَا. متفق عليه. منائح: هي الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها غيره ليشرب لبنها، ثم يردها إذا انقطع لبنها. من فوائد الحديث: جواز إفشاء حال الإنسان في بيته إذا كان مدعاة للموعظة والاعتبار. جواز السؤال عن حال العيش للاقتداء والانتفاع بالقول والحال، كما سأل عروة بن الزبير خالته أم المؤمنين. ينبغي على الجيران أن يحسن بعضهم إلى بعض، ويتعاهدوا بعضهم بما يزيد عن حاجتهم أو بما يوجد عندهم من باب الإيثار. منيحة العنز من الخصال الموجبة للجنة. استحباب اعتناء الناس بعالمهم وحرصهم على توفير حاجياته. استحباب إيثار الأهل والولد على النفس، كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم، فيسقي أهله من اللبن الذي يأتيه هدية. وعن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه، فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. رواه البخاري. مصلية، أي مشوية. من فوائد الحديث استحباب دعوة أهل الصلاح والفضل على الطعام، جواز الأكل من الطيبات من غير إسراف وتبذير، حرص الصحابة على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والتخفف من الشهوات المثيرة للغرائز، جواز الاعتذار عن الدعوة إذا كان هناك ما يدعو للتخلف عنها. بيان لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب. وعن أنس رضي الله عنه قال: لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان حتى مات، وما أكل خبزًا مرققًا حتى مات. رواه البخاري. وفي رواية له: ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط. خوان: أي ما يوضع عليه الطعام عند الأكل، فإذا وضع عليه طعام فهو مائدة. مرققًا: هي الأرغفة الواسعة الرقيقة اللينة. شاة سميطًا: أي الشاة التي أزيل شعرها بماء ساخن وشويت بجلدها، وإنما يفعل ذلك بالشاة الصغيرة السن، وهو من فعل المترفين. من فوائد الحديث يستحب عدم التشبه بأهل الترف والإسراف والمخيلة في الأكل والشرب والملبس. زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وإعراضه عن ملاذها، وفراره من شهواتها، ومشاركته للفقراء في مأكلهم ومشربهم، مواساةً لهم وتطييبًا لقلوبهم. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه. رواه مسلم. الدقل: تمر رديء. من فوائد الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصادفه أحيانًا لا يجد فيها كفايته، لانصرافه إلى الدعوة، وإعراضه عن تتبع الشهوات. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله تعالى. فقيل له: هل كان لكم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مناخل؟ قال: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منخلاً من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله تعالى. فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار، وما بقي ثريناه. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَوْلُهُ: النَّقِيُّ هُوَ الْخُبْزُ الْحُوَّارَى، وَهُوَ الدَّرْمَكُ. قَوْلُهُ: ثَرَّيْنَاهُ، أَيْ بَلَّلْنَاهُ وَعَجَنَّاهُ. النَّقِيُّ، أَيْ الْخَالِصُ مِنَ النَّخَالَةِ. الْحُوَّارَى، أَيْ الْخُبْزُ الْأَبْيَضُ. الدَّرْمَكُ هُوَ دَقِيقُ الْحُوَّارَى. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: جَوَازُ النَّفْخِ فِي الشَّعِيرِ وَالْبُرِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحُبُوبِ بَعْدَ طَحْنِهَا لِتَطِيرَ مِنْهُ قُشُورُهُ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ خَاصٌّ بِالطَّعَامِ الْمَطْبُوخِ. بَيَانٌ لِمَا كَانَ يَأْكُلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ. يُسْتَحَبُّ تَرْكُ طَرَائِقِ أَهْلِ التَّرَفِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومَا. فَقَامَا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ، إِذْ جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي. فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا. وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ. فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوَوْا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهَا: يَسْتَعْذِبُ، أَيْ يَطْلُبُ الْمَاءَ الْعَذْبَ وَهُوَ الطَّيِّبُ. وَالْعِذْقُ هُوَ الْكِبَاسَةُ وَهِيَ الْغُصْنُ. وَالْمُدْيَةُ هِيَ السِّكِّينُ. وَالْحَلُوبُ ذَاتُ اللَّبَنِ. وَالسُّؤَالُ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ سُؤَالُ تَعْدِيدِ النِّعَمِ، لَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَعْذِيبٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي أَتَوْا. هو أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه، كذا جاء مبينًا في رواية الترمذي وغيره. مرحبًا، أي وجدت منزلًا رحبًا واسعًا، فانزل. وأهلًا، وصادفت أهلًا، فأنس بهم. بسر، أي المتلون من ثمر النخل. تمر، أي اليابس من ثمر النخل. الرطب، أي ثمر النخل قبل أن يجف. من فوائد الحديث: جواز الاستفسار من الأصحاب والأحباب عن أحوالهم وما ألمَّ بهم. يُستحب لمن جاء أن يخرج باحثًا عن رزقه آخذًا بالأسباب، لأن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. ينبغي القضاء على الجوع والفقر قدر المستطاع، لأنه يخرج الرجل من بيته والمرأة من خدرها. جواز الذهاب إلى بيوت الإخوان والاستعانة بهم إذا كان يعلم رضاهم. من إكرام الضيف حسن الاستقبال والترحيب والبشاشة. الاستبشار عند رؤية أهل العلم والصلاح والفضل. رزق العباد مقدر، ولا يدري المرء أين يكمن رزقه، ولكن عليه السعي المباح والأخذ بالأسباب المشروعة. كل ما يتمتع به الإنسان في الدنيا من طعام وشراب وملبس وظل هو من النعيم الذي يُسأل عنه العباد يوم القيامة. جواز استقبال المرأة لضيوف زوجها وخدمتهم إذا كانت متسترة محتشمة وأمنت الفتنة ولم تكن خلوة. هذا الحديث لا ينافي شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الإعراض عن زهرة الحياة الدنيا وملذاتها، فإن الإعراض هو الأصل والكمال، وهذا يدل على الإباحة في التمتع بالطيبات مع وجوب القيام بالشكر وتحريم الإسراف والمخيلة. رياض الصالحين.