الحلقة (072) باب فضل الجوع وخشونة العيش وترك الشهوات (2)

رياض الصالحين · المقطع 72 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات. وعن خالد بن عمر العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان، وكان أميرًا على البصرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذُكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا لا يدرك لها قعرًا، والله لتملأن، أفعجبتم؟ ولقد ذُكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عامًا، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا. فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، فَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا وَعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: آذَنَتْ، أَيْ أَعْلَمَتْ. وَقَوْلُهُ بِصُرْمٍ، أَيْ بِانْقِطَاعِهَا وَفَنَائِهَا. وَقَوْلُهُ: وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، أَيْ سَرِيعَةً. وَالصُّبَابَةُ هِيَ الْبَقِيَّةُ الْيَسِيرَةُ. وَقَوْلُهُ: يَتَصَابُّهَا، أَيْ يَجْمَعُهَا. وَالْكَثِيظُ: الْكَثِيرُ الْمُمْتَلِئُ. وَقَوْلُهُ: قَرِحَتْ، أَيْ صَارَتْ فِيهَا قُرُوحٌ. شَفِيرُ جَهَنَّمَ، أَيْ حَرْفُهَا الْأَعْلَى. فَيَهْوِي، أَيْ يَنْزِلُ. قَعْرًا، الْقَعْرُ أَسْفَلُ الشَّيْءِ. مِصْرَاعَيْنِ، تَثْنِيَةُ مِصْرَاعٍ، وَهُوَ الشَّطْرُ مِنَ الْبَابِ. أَشْدَاقُنَا، جَمْعُ شِدْقٍ، وَهُوَ جَانِبُ الْفَمِ. بُرْدَةٌ، أَيْ شَمْلَةٌ مُخَطَّطَةٌ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: السُّنَّةُ فِي الْخُطْبَةِ الْبَدْءُ بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. مشروعية النصيحة للإخوان، وترغيبهم في الخير، وتخويفهم من الآخرة. اقتراب الساعة، وسرعة زوال الدنيا وفنائها. بيان عظمة الله تعالى في عِظَم خلق النار والجنة. كثرة الداخلين الجنة بعموم رحمة الله تعالى ومزيد فضله. بيان لحال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة السابقين للإسلام، وشدة معاناتهم وخشونة عيشهم في حياتهم لأجل نشر دين الله تعالى في العالمين. فلما صبروا وكانوا موقنين، أصبحوا أئمة يهدون بأمر الله، وتحقق لهم الاستخلاف والتمكين، اللذين وعد بهما رب العالمين عباده المؤمنين. وجوب الالتجاء إلى الله تعالى من غرور النفس وزخرفة الشيطان. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أخرجت لنا عائشة رضي الله عنها كساءً وإزارًا غليظًا، قالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين. متفق عليه. كساء: أي الثوب. وإزار: أي الثوب الذي يستر الجسم من السرة إلى الأسفل. غليظًا: أي ثخينًا. من فوائد الحديث: الحث على الخشونة في العيش ولبس الغليظ من الثياب. وَذَٰلِكَ مِنْ بَابِ اخْشَوْشِنُوا فَإِنَّ النِّعَمَ لَا تَدُومُ. جَوَازُ لِبْسِ الْكِسَاءِ وَالْإِزَارِ. زُهْدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَاضُعُهُ وَقَنَاعَتُهُ، فَقَدْ كَانَ يَلْبَسُ مَا اتَّفَقَ دُونَ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ. وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خَلْطٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الْحُبْلَةُ وَالسَّمُرُ نَوْعَانِ مَعْرُوفَانِ مِنْ شَجَرِ الْبَادِيَةِ. لَيَضَعُ: كِنَايَةٌ عَنِ الْغَائِطِ، كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ، أَيْ مِنَ الْبَعْرِ. خَلْطٌ: أَيْ لَا يَخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِشِدَّةِ جَفَافِهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: جَوَازُ التَّحَدُّثِ بِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَذِكْرِ عَمَلِ الطَّاعَاتِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَٰلِكَ عُجْبٌ وَلَا رِيَاءٌ. الْأُمَّةُ الْمُجَاهِدَةُ لَا تَسْتَكْثِرُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَا تَتَوَسَّعُ فِي زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَمَلَذَّاتِهَا، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَٰلِكَ مِنَ الْخُمُولِ وَالْوَهَنِ، وَإِنَّمَا تَكْتَفِي بِمَا قَلَّ لِتَبْلُغَ الْمَنْزِلَ وَالْمَحَلَّ وَتَنْشُرَ دِينَهَا. صبر الصحابة على شظف العيش وخشونة المأكل من أجل رفع لواء العقيدة ونشر رسالة الإسلام. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا. متفق عليه. قال أهل اللغة والغريب: معنى قوتًا أي ما يسد الرمق. من فوائد الحديث: الزهد هو الرضا بما قسم الله، والقناعة بالقليل الذي يشد صلبك ويبلغك مأمنك ويكفك عن الحاجة والمسألة. توسط الحال فيه سلامة من آفات الغنى والفقر. لا يجوز سؤال الله الفقر، فقد استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه سأل الله الكفاية. لا ينافي هذا جواز الغنى إذا كان من حلال، وأدى حق الله فيه، فلقد كان في الصحابة أغنياء شاكرون. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم، فتبسم حين رآني، وعرف ما في وجهي وما في نفسي. ثم قال: أباهر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: إلحق ومضى، فاتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخلت، فوجد لبنًا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة. قال: أباهر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: إلحق إلى أهل الصفة فادعهم لي. قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، وكان إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها. فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بد. فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا واستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: يا أباهر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم. قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح، فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح، حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح، فوضعه على يده، فنظر إليَّ فتبسم، فقال: أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: بقيت أنا وأنت. قلت: صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب. فقعدت فشربت. فقال: اشرب. فشربت. فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا، والذي بعثك بالحق، لا أجد له مسلكًا. قال: فأرني. فأعطيته القدح، فحمد الله تعالى وسمى، وشرب الفضلة. رواه البخاري. أعتمد بكبدي على الأرض، أي ألصق بطني بها. القدح: آنية تروي الرجلين. مسلكًا: أي مكانًا يسلك فيه. من فوائد الحديث: كتمان الحاجة والتلويح بها أولى من التصريح وإظهارها. تكريم الرسول صلى الله عليه وسلم للفقراء من أصحابه واعتناؤه بهم. ثبوت معجزة تكثير الطعام لرسول الله صلى الله عليه وسلم. سؤال الرجل عما يجده في بيته مما لا عهد له به، ليترتب على ذلك مقتضاه. حرمة الصدقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجواز الهدية له، ولذلك سأل عن قدح لبن، فلما أُخبر بأنه هدية قبله. تضمن الحديث جملة من آداب الطعام والشراب، منها: السنة عند الشرب الجلوس، وقد ثبت النهي عن الشرب قائماً في جملة من الأحاديث. خادم القوم إذا أدار عليهم شراباً تناول الإناء من كل واحد ثم يدفعه لمن يليه، ولا يدع الرجل يناول رفيقه، لما في ذلك من امتهان الضيف. استحباب العرض على الضيف الاستزادة من الطعام أو الشراب. جواز الأكل والشرب حتى الشبع من غير إسراف، بحيث لا يكون ذلك ديدن العبد، لأن التخفيف هو الأفضل. إيثار الأضياف والأهل والخدم على النفس من مكارم الأخلاق وشيم المتقين. ساقي القوم آخرهم شرباً. استحباب شرب الفضلة، وهي الباقية في الإناء. ينبغي التسمية في أول الطعام والشراب، وحمد الله في آخره. المدعو إذا وصل بيت الداعي وداره لا يدخل بغير استئذان، ولذلك استأذن أهل الصفة عندما وصلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم. يستحب للضيف الجلوس في المكان المعد له، وكل إنسان في مجلسه الذي يليق به. جواز دعاء المرء بكنيته، وترخيم الاسم لما فيه من التحبب وتطييب القلوب. رياض الصالحين.