الحلقة (073) باب فضل الجوع وخشونة العيش وترك الشهوات (3)

رياض الصالحين · المقطع 73 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الجوع وخشونة العيش، والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس، وترك الشهوات. وعن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة رضي الله عنها مغشيًّا عليَّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع. رواه البخاري. أخر: أي أسقط. مغشيًّا عليَّ: أي مُغمًى عليَّ. يضع رجله على عنقي: هكذا كانت العادة لمن يُظن أنه وقع في جنون حتى يفيق. من فوائد الحديث: خطورة الجوع، وأنه يصرع العبد ويفقده قدرته على السيطرة على نفسه وحواسه. صبر الصحابة على الفقر والجوع وتعففهم عن سؤال الناس. من لم يعرف حقيقة الأمر معذور في ترك الإعانة حتى ينجلي له الخبر ويعلم ما يلزمه من العون. بيانٌ لبعض عادات العرب حيث كانوا يضعون أرجلهم على عنق المجنون حتى يفيق. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: تُوفِّي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير. متفق عليه. الدرع هو ما يُلبس في الحرب، وهو من الحديد. مرهونة: الرهن لغةً الحبس، وشرعًا وضع عينٍ ماليةٍ وثيقةً عند الدائن ليأخذ حقه منها إذا عجز المدين عن الوفاء. من فوائد الحديث: زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وعدم استكثاره من أموالها وانشغاله بأحوالها، وتعلقه بأثقالها وأحمالها. جواز معاملة أهل الكتاب والاستدانة منهم. مشروعية الرهن حفظًا للحقوق. وعن أنس رضي الله عنه قال: رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه بشعير، ومشيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة سنخة، ولقد سمعته يقول: ما أصبح لآل محمد صاعٌ ولا أمسى، وإنهم لتسعة أبيات. رواه البخاري. الإهالة. هي الشحم الذائب، والسنخة هي المتغيرة. من فوائد الحديث: كمال تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم، وزهده وتقلله من الدنيا مع قدرته عليها، وكرمه الذي أفضى به إلى عدم الادخار حتى احتاج إلى رهن درعه. صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته على ضيق العيش، والقناعة باليسير. جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين التعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم. جواز بيع السلاح ورهنه وإجارته من الكافر ما لم يكن حربيا. ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم. إباحة الشراء بالثمن المؤجل ما لم يزد على الثمن المعجل للمدة. مشروعية الرهن في الحضر، وبذلك يتضح أن التقييد بالسفر في قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ قد خرج على الغالب. عدول النبي صلى الله عليه وسلم عن معاملة أغنياء الصحابة إلى معاملة اليهود، إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجتهم، أو خشية أنهم لا يأخذون منه ثمنا أو عوضا. فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِمْ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُدْمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. أُدْم: أَيْ جِلْد. لِيف: أَيْ قِشْرُ النَّخْلِ الرَّقِيق. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: تَوَاضُعُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِعْرَاضُهُ عَنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَرِضَاهُ بِالْيَسِيرِ مِنْهَا فِي مَلْبَسِهِ وَثِيَابِهِ وَفِرَاشِهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْبَرَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَخَا الْأَنْصَارِ، كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟ فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص، نمشي في تلك السباخ حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه. رواه مسلم. يعوده: من العيادة، أي زيارة المريض. خفاف: الخف هو حذاء من جلد يلبس في الرجل، ويكون ساترًا للكعبين. قلانس: القلنسوة ما يلبس على الرأس. السباخ: هي الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. من فوائد الحديث: حرص الصحابة رضوان الله عليهم على مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقهوا في دينهم. زهد الصحابة وتقللهم في الملبس، وصبرهم على شدة الفاقة وخشونة العيش. من جاء قومًا ابتدرهم بالسلام قبل الكلام، هذه هي السنة. ينبغي على الراعي أن يتفقد رعيته وأن يسأل عن أحوالهم. شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن عبادة بالإيمان، حيث قال: كيف أخي سعد بن عبادة؟ استحباب عيادة المريض وحث الإخوان عليها. استحباب من سئل عن مريض أن يقول: هو صالح. استحباب توسعة المكان للزائر. وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. قال عمران: فما أدري، قال النبي صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثا، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن. متفق عليه. يخونون، أي ينقصون الحقوق ويضيعون الأمانة. ينذرون: النذر التزام طاعة ليست واجبة في الشرع. السمن: أي كثرة اللحم. من فوائد الحديث: فضل أهل القرون الثلاثة على من بعدهم. كلما بعد العهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الفضل أقل. التحذير من الشهادة قبل الاستشهاد إلا إذا ترتب على الشهادة درء مظلمة أو دفع صائل أو إعادة حق وإحقاقه. الخيانة مفسدة عظيمة في المجتمع تؤدي إلى كثرة الشرور. الحث على الوفاء بالنذر؛ لأنه من صفات المؤمنين. إخبار عما سيؤول إليه واقع الناس من ظهور السمن الدال على الكسل والخمول، والركون إلى الدنيا وترك الجهاد في سبيل الله. وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول. رواه الترمذي. الفضل: أي الزائد عن الحاجة. ولا تلام: أي لا يلحقك لوم ولا عتاب من الشرع. كفاف: أي إمساك قدر الحاجة. من تعول: أي من تجب لهم النفقة عليك. من فوائد الحديث: الحث على الإنفاق في سبيل الله، والتحذير من البخل والشح. جواز إمساك حاجة الإنسان وأهله من المال. إنفاق القدر الزائد من المال فيه خير، وإمساكه يترتب عليه في الغالب مفاسد وشرور. خير الأمور الكفاف، وهو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم. خير الصدقة على الأهل والأقربين؛ لما فيها من صدقة وصلة. وعن عبيد الله بن محصن الأنصاري الخطمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. رواه الترمذي. سربه: أي نفسه، وقيل قومه. حيزت: أي جُمعت. بحذافيرها: أي بجميع جوانبها. من فوائد الحديث: حاجة العبد في الدنيا الأمن والكفاية، فمن ملكهما فقد ملك الدنيا بأسرها. الرزق لا يكون بالقوة، وإنما بالسعي والتوكل على الله تعالى. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد أفلح من أسلم، وكان رزقه كفافًا، وقنعه الله بما آتاه. رواه مسلم. أفلح: أي فاز. قنعه: أي رضاه بما قسم له. من فوائد الحديث: كل كافر خاسر، وأهل الإيمان هم الفائزون في الدنيا والآخرة. الرزق إذا كان على قدر الحاجة. يصون الإنسان من المذلة، ويحميه من الطغيان غالبًا، والقناعة هي حقيقة الغنى. الإيمان بالله واليوم الآخر يثمر الرضا والقناعة، وهما أساس الخير في الدنيا والآخرة. وعن أبي محمد فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا وقنع. رواه الترمذي. طوبى: فعلى من الطيب، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنها شجرة في الجنة. هدي: أي أرشد ووفق. من فوائد الحديث: سعادة المرء في كمال دينه وكفاف عيشه، وقناعته بما آتاه الله. رياض الصالحين.