الحلقة (074) باب فضل الجوع وخشونة العيش وترك الشهوات (4)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً، وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. رواه الترمذي. طاوياً أي خالي البطن لم يأكل. من فوائد الحديث: بيان لزهده صلى الله عليه وسلم، وتقلله من الدنيا، وصبره على لأوائها. فضيلة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لتحملهم المشاق معه، وعدم التسخط من الحال. بيان لخشونة العيش التي كانوا يحيونها؛ لأنهم لم يعيشوا ليأكلوا ويتمتعوا كما تتمتع الأنعام، بل عاشوا دعاةً للإسلام، وحماةً للتوحيد، ورعاةً للسنة، فرفع الله ذكرهم، وكبت عدوهم. وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة. وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ، حَتَّى يَقُولَ الأَعْرَابُ: هَؤُلَاءِ مَجَانِينُ، فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى لَأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. الْخَصَاصَةُ: الْفَاقَةُ وَالْجُوعُ الشَّدِيدُ. يَخِرُّ: أَيْ يَسْقُطُ. مِنْ قَامَتِهِمْ: أَيْ مِنْ قِيَامِهِمْ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: يَنْبَغِي عَلَى الْمَرْءِ عِنْدَ الْعَدَمِ النَّظَرُ إِلَى مَا ادُّخِرَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ، دُونَ التَّلَهُّفِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ بُغْيَتِهِ. بَيَانٌ لِمَعِيشَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الزُّهْدِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ مَعَ الصَّبْرِ وَعَدَمِ الشَّكْوَى. لَيْسَتْ كُلُّ الظُّنُونِ عَلَى الْقِيَاسِ، فَالأَعْرَابُ ظَنَّتْ أَنَّهُمْ سَقَطُوا لِجُنُونٍ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَاسُوا مَا رَأَوْا عَلَى مَا عَلِمُوا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّشَابُهَ فِي الصُّورَةِ الْخَارِجِيَّةِ فِي الْقِيَاسِ لَا يُعْتَبَرُ. مَنْ حَكَمَ عَلَى ظَاهِرِ الأُمُورِ لَا يُعَاقَبُ وَلَا يُعَاتَبُ إِذَا عَايَنَ بِنَفْسِهِ. حِرْصُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَطْيِيبِ قُلُوبِ أَصْحَابِهِ لِمَا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُسِيءُ إِلَيْهِمْ. وَعَنْ أَبِي كَرِيمَةَ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه. رواه الترمذي. أكلات: أي لقم. بحسب: أي كافيه لسد الرمق. صلبه: أي ظهره. لا محالة: أي لا بد. من فوائد الحديث: هذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام. استحباب التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام. أحسن ما أكل المؤمن في ثلث بطنه، وشرب في ثلث، وترك للنفس ثلثًا. كثرة الطعام تسبب الخمول، وتفسد الصحة، وتجلب النوم، وأما قلة الغذاء توجب رقة القلب وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب. وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الأنصاري الحارثي رضي الله عنه قال: ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا عنده الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان، يعني التقحل. رواه أبو داود. البذاذة هي رثاثة الهيئة وترك فاخر اللباس، وأما التقحل فهو الرجل اليابس الجلد من خشونة العيش وترك الترفه. من فوائد الحديث: استحباب تحويل حديث المجلس إذا كان الكلام مثقلاً بمتاع الدنيا وشهواتها وزخارفها، ويصد القلوب عن ذكر الله تعالى. الحث على التواضع والتقلل من الدنيا؛ لأن ذلك يبعث الهمم على العبادة والطاعة. لا يُفهم من الحديث ترك النظافة، فإن الإسلام حث عليها، وهي من دواعي الإيمان. وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر علينا أبا عبيدة رضي الله عنه، نتلقى عيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، فقيل: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء. فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله. قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه، فإذا هي دابة تدعى العنبر. فقال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم، فكلوا. فأقمنا عليه شهرا، ونحن ثلاثمائة، حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، ونقطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا، فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا، فمر من تحتها، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله. رواه مسلم. الجراب: وعاء من جلد معروف. قوله: الخبط هو ورق شجر معروف تأكله الإبل. والكثيب: التل من الرمل. والوقب هو نقرة العين. والقلال: الجرر. والفدر: القطع. رحل البعير: أي جعل عليه الرحل. الوشائق: اللحم الذي اقتطع منه ليقدد منه، والله أعلم. عيرا: أي القافلة من الجمال التي تحمل الطعام. العنبر: سمكة كبيرة. من فوائد الحديث: جواز أخذ أموال الكفار الحربيين. معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفاية الطعام، حيث كانت تمرة تكفي الواحد من الصحابة نهاره كله. بيان لما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الزهد في الدنيا والتقلل منها، والصبر على الجوع وخشونة العيش. تحمل الصحابة المشاق من أجل نشر الإسلام والجهاد في سبيل الله لرفع رايته. جواز الاجتهاد ثم جواز تغييره، فقد نهاهم أبو عبيدة عن أكل السمك ثم غير اجتهاده فأمرهم بالأكل منها. عناية الله سبحانه ورعايته لصحابة رسوله صلى الله عليه وسلم وإكرامه لهم. حيث ساق لهم رزقًا حسنًا لما علم حاجتهم وإخلاصهم. ميتة البحر حلال، حيث أكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: كان كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ. رواه أبو داود والترمذي. الرسغ بالصاد، والرسغ بالسين أيضًا، هو المفصل بين الكف والساعد. من فوائد الحديث: الحض على الزهد في الملبس وعدم تطويل الثياب؛ لأنه يفضي إلى الخيلاء أو يعيق حركة الإنسان. رياض الصالحين.