الحلقة (075) باب فضل الجوع وخشونة العيش وترك الشهوات (5)

رياض الصالحين · المقطع 75 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الجوع وخشونة العيش، والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس، وترك الشهوات. وعن جابر رضي الله عنه قال: إنا كنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: أنا نازل. ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب، فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم. فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟ فقالت: عندي شعير وعناق. فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت تنضج، فقلت: طعيمٌ لي، فقم أنت يا رسولَ الله ورجلٌ أو رجلان. قال: كم هو؟ فذكرتُ له، فقال: كثيرٌ طيب. قل لها: لا تنزعي البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي. فقال: قوموا. فقام المهاجرون والأنصار، فدخلتُ عليها فقلت: ويحك، قد جاء النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار ومن معهم. قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. قال: ادخلوا ولا تضاغطوا. فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا وبقي منه، فقال: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة. متفق عليه. وفي رواية قال جابر: لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصًا، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا. فأخرجت إلي جرابًا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي. وَقَطَعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: لَا تُفْضِحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ. فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ. فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُؤْرًا فَحَيَّ هَلَا بِكُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ. فَجِئْتُ، وَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْدُمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتُ. فَأَخْرَجَتْ عَجِينًا، فَبَسَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا، وَهُمْ أَلْفٌ. فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. قَوْلُهُ: عَرَضَتْ كُدْيَةٌ، هِيَ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ صَلْبَةٌ مِنَ الْأَرْضِ لَا يَعْمَلُ فِيهَا الْفَأْسُ. والكثيب أصله تل الرمل، والمراد هنا صارت ترابًا ناعمًا، وهو معنى أهيل. والأثافي: الأحجار التي يكون عليها القدر. وتضاغطوا: تزاحموا. والمجاعة: الجوع. والخمص هو الجوع. وانكفأت: أي انقلبت ورجعت. والبهيمة: تصغير بهمة، وهي العناق. والداجن هي التي ألفت البيت. والسؤر: الطعام الذي يدعى الناس إليه، وهو بالفارسية. وحيهلا: أي تعالوا. وقولها: بك وبك، أي خاصمته وسبته؛ لأنها اعتقدت أن الذي عندها لا يكفيهم، فاستحيت، وخفي عليها ما أكرم الله سبحانه وتعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه المعجزة الظاهرة والآية الباهرة. بسق: أي بصق، ويقال أيضًا بزق، ثلاث لغات. وعمد: أي قصد. اقدحي: أي اغرفي. والمقدحة: المغرفة. وتغط: أي لغليانها صوت، والله أعلم. لا نذوق ذواقًا: أي لا نطعم فيها. المعول: أي المسحاة. العناق: أي الأنثى من المعز. والعجين قد انكسر، أي لان ورطب، وتمكن منه الخمير. التنور هو الذي يخبز فيه. ويحك كلمة ترحم وإشفاق. يخمر البرمة والتنور، أي يغطيهما. من فوائد الحديث: الحث على التعاون في العمل الذي يعود بالنفع على المسلمين، وهذا تراه واضحًا في مشاركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في العمل. حب الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعم الخير جميع أصحابه رضي الله عنهم، حيث دعاهم جميعًا للطعام. لا ينبغي للمقاتل أن يغادر مكانه وموقعه إلا بإذن من الأمير. معجزة تكثير الطعام لرسول الله صلى الله عليه وسلم. شعور المؤمنين ببعضهم بعضًا، وإيثارهم إخوانهم على أنفسهم. استحباب الهدية، وبخاصة أيام الحاجة والمجاعة. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو طلحة لأم سليم: قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير. ثم أخذت خمارًا لها فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، ورددتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت به، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم. فقال: ألطعام؟ فقلت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا. فانطلقوا، وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلمي ما عندك يا أم سليم. فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت عليه أم سليم عكةً فأآدمت، ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول. ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا ثم خرجوا. ثم قال: ائذن لعشرة، حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلاً أو ثمانون، متفق عليه. وفي رواية: فما زال يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع، ثم هيأها، فإذا هي مثلها حين أكلوا منها. وفي رواية: فأكلوا عشرة عشرة حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً، ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وأهل البيت، وتركوا سؤراً. وفي رواية: ثم أفضلوا ما بلغوا جيرانهم. وفي رواية عن أنس قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فوجدته جالساً مع أصحابه، وقد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه: لِمَ عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه؟ فقالوا: من الجوع. فذهبت إلى أبي طلحة، وهو زوج أم سليم بنت ملحان، فقلت: يا أبتاه، قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بعصابة. فسألت بعض أصحابه، فقالوا: من الجوع. فدخل أبو طلحة على أمي فقال: هل من شيء؟ قالت: نعم، عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قلَّ عنهم. وذكرت تمام الحديث. خمار: أي غطاء الرأس. دست: أي أدخلته بقهر وقوة. وردتني ببعض: أي لفتني ببعض الخمار. هلمي: أي أحضري. عكة: أي وعاء من جلد مستدير مختص بالسمن والعسل، وهو بالسمن أخص. آدمت: أي صيرت الخارج منها إدامًا له. هيأها: أي جمعها بعد أكلهم جميعًا. مثلها: أي على حالتها قبل أن يأكلوا منها. سؤرى: أي بقية الطعام. أفضل: أي أبقوا. ما بلغوا جيرانهم: أي أوصلوه هدية لهم. عصب: أي ربط. كسر: أي قطع. من فوائد الحديث: جواز العمل بالفراسة والقرائن، حيث استدل أبو طلحة من ضعف الصوت على شدة الجوع. جواز الدعوة إلى الطعام في المسجد، وكذلك الإجابة منه. جواز الدعاء إلى الطعام وإن لم يكن وليمة. جواز استدعاء العدد الكثير إلى الطعام القليل. إذا علم المدعو أن الداعي لا يكره أن يحضر معه غيره، فلا بأس بإحضاره معه. دل الحديث على فطنة أم سليم ورجحان عقلها، حيث عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الجمع الكثير عمداً لتظهر الكرامة في تكثير الطعام، فقالت: الله ورسوله أعلم. اعتناء الصحابة بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم. معجزة تكثير الطعام ببركة النبي صلى الله عليه وسلم. جواز الأكل حتى الشبع، ففي الحديث: فأكلوا حتى شبعوا. جواز إدخال الضيوف عشرةً عشرةً إذا احتيج إلى ذلك لضيق الطعام أو مكان الجلوس عليه. قول أنس لأبي طلحة: يا أبتاه، من باب التأدب، وإلا فهو زوج أمه. قول أم سليم: الله ورسوله أعلم، هذا خاص في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يعلم بالوحي، أما بعد موته فقد انقطع الوحي، فالصواب عدم قول هذه العبارة بعد موته صلى الله عليه وسلم، وإنما نقول: الله أعلم. رياض الصالحين.