الحلقة (076) باب القناعة والاقتصاد في المعيشة، وذم السؤال (1)

رياض الصالحين · المقطع 76 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب القناعة والعفاف والاقتصاد في المعيشة والإنفاق وذم السؤال من غير ضرورة. قال الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا. وقال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا. وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا. وقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. وأما الأحاديث فتقدم معظمها في البابين السابقين، ومما لم يتقدم: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس. متفق عليه. العرض هو المال. من فوائد الحديث: الغنى النافع الممدوح هو غنى النفس. لأنها إذا استغنت عما في أيدي الناس، وقنعت بما قسمه الله لها، كفت عن المطامع، وحفزت صاحبها إلى معالي الأمور ومكارم الأخلاق، فحصل لها بذلك أكثر من غنى المال الذي يورث على الغالب الحرص والشح والهلع والطمع، فيكبكب صاحبه في رذائل الأمور وسفساف الأخلاق لدناءة همته. غنى النفس يتولد من القناعة وعدم الحرص على الازدياد لغير حاجة. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه. رواه مسلم. وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَهُ اللَّهُ لَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يَرْزَأْ: أَيْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا. وَأَصْلُ الرِّزْءِ: النُّقْصَانُ، أَيْ لَمْ يَنْقُصْ أَحَدًا شَيْئًا بِالْأَخْذِ مِنْهُ. وَإِشْرَافُ النَّفْسِ: تَطَلُّعُهَا وَطَمَعُهَا بِالشَّيْءِ. وَسَخَاوَةُ النَّفْسِ: هِيَ عَدَمُ الْإِشْرَافِ إِلَى الشَّيْءِ وَالطَّمَعِ فِيهِ وَالْمُبَالَاةِ بِهِ وَالشَّرَهِ. سَأَلْتُ: أَيْ طَلَبْتُ مِنْهُ مَالًا. خَضِرٌ حُلُوٌ: أَيْ يُشْبِهُ الْفَاكِهَةَ الْخَضِرَةَ الْحُلْوَةَ، لَمَيْلِ النَّفْسِ إِلَيْهِ وَحُبِّهَا لَهُ وَرَغْبَتِهَا فِيهِ. بُورِكَ فِيهِ: أَيْ أَغْنَاهُ الْقَلِيلُ مِنْهُ عَنِ الْكَثِيرِ. الْعُلْيَا: أَيْ الْمُعْطِيَةُ. السُّفْلَى: أَيْ السَّائِلَةُ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: بَيَانُ عَظِيمِ كَرَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ أَبَدًا. بذل النصيحة والحرص على نفع الإخوان عند تقديم العون، لأن النفس تكون مهيأة للانتفاع بالكريم الطيب. المعطي خير من الآخذ. جمع المال من غير حاجة يضر ولا ينفع. التعفف عن سؤال الناس ولا سيما لغير حاجة. وفاء حكيم بن حزام بوعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم والتزامه بعهده. ينبغي على الحاكم المسلم أن يوصل الحقوق لأصحابها. استحباب الاستشهاد على من أبى أخذ حقه. وعن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدمي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع؛ لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، وقال: ما كنت أصنع بأن أذكره. قال: كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه. متفق عليه. غزا اسم مرة من الغزو، نعتقبه أي نتعاقبه في الركوب واحدا بعد واحد. فنقبت، أي رقت جلود أقدامنا. نعصب، أي نربط. ما كنت أصنع بأن أذكره، أي ما أصنع بذكره. من فوائد الحديث: بيان ما كان عليه الصحابة من التقشف وخشونة العيش، وصبرهم على ذلك مع الرضا. جواز التعاقب على البعير الواحد. جواز ذكر العمل الصالح والتحدث بنعمة الله إذا لم يكن فيه رياء ولا سمعة، وكان في ذكره تذكير ونفع للناس. كراهة أن يذكر الإنسان ما فعله من عمل صالح خشية الوقوع في الرياء والعجب. وعن عمرو بن تغلب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتي بمال أو سبي فقسمه، فأعطى رجالًا وترك رجالًا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله ثم أثنى عليه ثم قال: أما بعد، فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكنني إنما أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب. قال عمرو بن تغلب: فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم. رواه البخاري. الهلع هو أشد الجزع، وقيل: الضجر. سبي، أي ما يؤخذ نهبًا من نساء وأولاد الأعداء. عتبوا، أي من العتاب، وهو مخاطبة الإدلال ومذاكرة المؤاخذة. أدع، أي أترك إعطاءه. الجزع هو الحزن والخوف وعدم التحمل والصبر. الغنى والخير، أي الرضا والقناعة. حمر النعم، أي كرائمها، وهو مثل يضرب في كل نفيس. من فوائد الحديث: السنة في الخطبة البدء بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله. حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأليف القلوب وإنقاذها من الهلاك. الحث على الرضا بما يأتي المسلم من رزق دون سؤال أو إلحاح. سرور المؤمن وفرحه بما يبدو منه من خير. فضيلة عمرو بن تغلب رضي الله عنه. وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله. متفق عليه. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم أخصر. بمن تعول، أي من زوجة أو ولد أو والد أو خادم. ظهر غنى، أي غير محتاج إليه. يستعفف، أي يكف عن سؤال الناس. يستغني، أي يظهر الغنى. من فوائد الحديث: بيان لأنواع الأيدي، وأن أعلاها المعطية المنفقة في سبيل الله من دون منٍّ ولا أذى، ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأدناها السائلة والمانعة. أولى الناس بالنفقة عليهم من كان في رعاية المسلم وكنفه. تفضيل الغنى مع القيام بحقوقه على الفقر؛ لأن العطاء إنما يكون عن ظهر غنى. كراهة التصدق بما يحتاجه الإنسان أو بكل ما يملك حتى لا يضطر إلى سؤال الناس. العفة عن السؤال والاستغناء بالله مجلبة للرزق الحسن وطريق للكرامة. وعن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تُلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألته مني شيئًا وأنا له كاره. فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. تُلْحِفُ، أَيْ تُكْثِرُ فِي الطَّلَبِ. كَارِهٌ، أَيْ لَا أُرِيدُ دَفْعَهُ لَهُ. فَيُبَارَكُ، أَيْ لَا يُبَارَكُ لَهُ فِيهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: النَّهْيُ عَنْ إِحْرَاجِ الْآخَرِينَ بِكَثْرَةِ الْإِلْحَاحِ، وَحَمْلِهِمْ عَلَى الْعَطَاءِ بِالْحَيَاءِ؛ لِأَنَّ مَا يُعْطَى عَنْ غَيْرِ رِضًى أَوْ حَيَاءٍ لَا يُبَارَكُ فِيهِ، بَلْ هُوَ حَرَامٌ. بَيَانُ كَرَمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا. يَنْبَغِي عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُوصِيَ رَعِيَّتَهُ، وَأَنْ يُسْدِيَ النُّصْحَ لَهُمْ إِذَا وَقَعُوا فِي مَحْذُورٍ شَرْعِيٍّ أَوْ خَشِيَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. والصلوات الخمس، وتطيع، وأسر كلمة خفية، ولا تسأل الناس شيئًا، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه. رواه مسلم. حديث عهد ببيعة، أي قد بايعناه من قريب. فعلام؟ أي: فعلى أي شيء؟ من فوائد الحديث: استحباب تجديد العهد مع الله عز وجل على صدق الإيمان به، والإخلاص في عبادته، والالتزام شريعته. البيعة ينبغي أن تكون واضحة غير عميية. استجابة الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم لأمر أو ندبهم لحاجة. وجوب الوفاء بالبيعة وعدم نكثها. الحث على مكارم الأخلاق، ومنها الترفع عن تحمل منة الخلق بعزة النفس والاستغناء عنه. اعتماد المسلم على نفسه، وتوليه كل شؤونه، وعدم اتكاله على غيره. التنزه عن كل ما يسمى سؤالًا ولو في أمر تافه. رياض الصالحين.