الحلقة (078) باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقةً بالله تعالى (1)
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقةً بالله تعالى. قال الله تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ. وقال تعالى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ. وقال تعالى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلمها. متفق عليه. ومعناه: ينبغي ألا يُغبط أحد إلا على إحدى هاتين الخصلتين. لا حسد: المراد الغبطة، وهي تمني المرء أن يكون له مثل هذه النعمة مع بقائها لصاحبها، وهو مباح. فسلطه: أي مكنه الله من إنفاقه في وجوه الخير. هلكاته، أي وجوه إنفاقه ومجالات صرفه في الحق، أي في أنواع البر ونواحي الخير. حكمة، أي وضع كل شيء في موضعه، يقضي بها، أي يحكم ويفتي بين الناس بمقتضاها. من فوائد الحديث: الحسد داء خطير يجب الابتعاد عنه والحذر منه. حسد الغبطة محمود إذا كان في وجوه الخير. الحث على التنافس في أعمال الخير. النعم بكليتها من الله، وواجب شكر المنعم، وذلك بأن يضعها العبد حيث أمره الله. استحباب الإنفاق وبذل المال والخروج عنه بالكلية في وجوه الخير ما لم يؤد إلى حرمان الورثة أو سؤال الناس، ونحو ذلك مما حرمه الشرع. فضل العلم بأحكام الدين وتعليم الناس ودعوتهم إلى التفقه في الدين. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر. رواه البخاري. فإن ماله ما قدم. أي ما تصدق به أو أنفقه في الأكل واللبس. من فوائد الحديث: الحث على ما يمكن تقديمه من المال في وجوه الخير لينتفع به في الآخرة. كل ما تركه المورث فإنه يصير ملكًا للوارث. وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة. متفق عليه. وعن جابر رضي الله عنه قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا. متفق عليه. من فوائد الحديث: جواز سؤال الإمام، وقد تقدم بيان أوجه المسألة المباحة. مزيد كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه، وأنه لا يرد سائلًا، وأن عطاءه كان عطاء من لا يخشى فقرًا، ولا يحرص على الدنيا ثقة بالله سبحانه وتعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: أنفق يا ابن آدم يُنفق عليك. متفق عليه. أنفق، أي أنفق المال في وجوه الخير بالطريق المأذون به شرعًا إيمانًا واحتسابًا، يُنفق عليك، أي يوسع عليك ويأتيك عوض ما تنفقه ويبارك لك فيه. من فوائد الحديث: الحث على الإنفاق في سبيل الله. الإنفاق سبب لسعة الرزق. إعطاء الله لعبده على قدر إعطاء العبد للفقراء والمساكين والمحتاجين. خزائن الله ملأى لا تنفد، والمولى كريم لا يمسك خشية الإنفاق. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. متفق عليه. أي الإسلام، أي أي خصاله. تطعم الطعام، أي على وجه الصدقة أو الهدية أو الضيافة ونحو ذلك. وتقرأ السلام، أي تفشي السلام. من فوائد الحديث. حرص الصحابة على معرفة الخصال التي تنفع في الدنيا والآخرة من أمور الدين. الحث على البذل والعطاء بإطعام الطعام للفقراء والمساكين، وابن السبيل والضعيف، والإهداء إلى الجيران. ينبغي إفشاء السلام دون تخصيص أحد فيه؛ لأنه من الحقوق العامة للمسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعون خصلة، أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله تعالى بها الجنة. رواه البخاري. وعن أبي أمامة صدي بن عجلان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى. رواه مسلم. وعن أنس رضي الله عنه قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال. يا قومي أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها. رواه مسلم. من فوائد الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم من الزكاة لتأليف قلوبهم. بيان مزيد كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثرة إنفاقه المال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله. من ذاق طعم الإسلام ووجد حلاوة الإيمان لا يقدم عليهما شيئاً من مال ومتاع وشهوات. وعن عمر رضي الله عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً، فقلت: يا رسول الله، لغير هؤلاء كانوا أحق به منهم. قال: إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني، ولست بباخل. رواه مسلم. إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش فأعطيهم. قال النووي: إنهم ألحوا علي في السؤال لضعف إيمانهم، وألجأوني بمقتضى حالهم إلى السؤال بالفحش أو نسبتي إلى البخل. من فوائد الحديث: ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق والصبر والحلم والإعراض عن الجاهلين. ذم الإلحاح في السؤال. للإمام أن يعطي المؤلفة قلوبهم من أموال الزكاة والخمس تأليفًا لقلوبهم حتى تتشرب حب الدين. البخل ليس من شيم الأنبياء ولا الصالحين. وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه قال: بينما هو يسير مع النبي صلى الله عليه وسلم مقفله من حنين، فعلقه الأعراب يسألونه، حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العِضاه نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذابًا ولا جبانًا. رواه البخاري. مقفله: أي حال رجوعه. والسمرة: شجرة. والعِضاه: شجر له شوك. من فوائد الحديث: ذم البخل والكذب والجبن، وأن إمام المسلمين لا ينبغي أن تكون فيه خصلة منها. بيان لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الحلم وحسن الخلق وسعة الجود والصبر على جفاء الأعراب وغلظتهم. جواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة، لخوف ظن أهل الجهل به خلاف ذلك، ولا يكون ذلك من الفخر المذموم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الصدقة لا تنقص المال؛ لأن الله يبارك فيه ويعوض ما ذهب منه. من عرف بالصفح والعفو يسود ويعظم في القلوب؛ لأن مكارم الأخلاق تجذب القلوب. وعن أبي كبشة، عمر بن سعد الأنماري رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أو كلمة نحوها، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه. قال: إنما الدنيا لأربعة نفر. عبدٌ رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل. وعبدٌ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء. وعبدٌ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل. وعبدٌ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: جواز الحلف على الشيء لتأكيده، أو نزع شبهة في قلب السامع دون أن يُستحلف. الحث على الصبر وتحمل الشدائد، وعدم رد الظلم بمثله. من ترك شيئًا لله وهو قادر عليه، جزاه الله خيرًا بعمله. يظهر أثر العفو والصفح عزًّا ورفعةً وكرامةً في الدنيا والآخرة. التحذير من المسألة لغير حاجة، وأنها تفتح باب فقر. بيان أقسام أهل الدنيا. الحض على العلم والعمل مع الإخلاص فيهما. الحث على صلة الأرحام. المال بلا علم يؤدي إلى التهلكة، والعلم بلا خوف من الله يؤدي إلى غضب الله. المرء يثاب ويعاقب على الإرادة الجازمة، وإن عجز عن القيام بالفعل، فإنه إن تعذر منه الفعل ما تعذر منه التمني والوداد. رياض الصالحين.