الحلقة (079) باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقةً بالله تعالى (2)

رياض الصالحين · المقطع 79 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير ثقةً بالله تعالى. وعن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بقي منها؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها. قال: بقي كلها غير كتفها. رواه الترمذي. ومعناه: تصدقوا بها إلا كتفها، فقال: بقيت لنا في الآخرة إلا كتفها. من فوائد الحديث: التحريض على الصدقة والاهتمام بها، وألا يستكثر الإنسان ما أنفقه فيها. بيان كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته. مال العبد ما يقدمه ويدخر ثوابه عند الله. لا يضيع الله أجر من أحسن عملاً، بل يحفظه ويوفيه إياه يوم القيامة. وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا توكي فيوكى عليك. وفي رواية: أنفقي أو انفحي أو انضحي. ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك، متفق عليه. وانفحي، هو بمعنى أنفقي، وكذلك انضحي. لا توكي، أي لا تدخري وتشدي ما عندك وتمنعي ما في يدك، فيوكَ، أي فيقطع. ولا تحصي، أي لا تمسكي المال وتعديه وتدخريه من غير إنفاق، فيحصي الله عليك، أي يمسك عنك الرزق ويناقشك الحساب يوم القيامة. ولا توعي، أي تمنعي ما فضل عنك، فيوعي الله عليك، أي يصيبك الله بالتشدد ويمنع عنك فضله وجوده. من فوائد الحديث: التأكيد والحث على الإنفاق. النهي عن منع الصدقة خشية النفاد، فإن ذلك من أعظم أسباب قطع البركة، لأن الله سبحانه يثيب على العطاء بغير حساب. من عدل الله تعالى أن جعل الجزاء من جنس العمل. من علم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب، فحقه أن ينفق ولا يحسب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما. فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ، أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ. وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْجُنَّةُ: الدِّرْعُ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُنْفِقَ كُلَّمَا أَنْفَقَ سَبَغَتْ وَطَالَتْ حَتَّى تَجُرَّ وَرَاءَهُ، وَتُخْفِيَ رِجْلَيْهِ وَأَثَرَ مَشْيِهِ وَخُطُوَاتِهِ. تَرَاقِيهِمَا جَمْعُ تُرْقُوَةٍ، وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ ثَغْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ. سَبَغَتْ: أَيْ امْتَدَّتْ وَغَطَّتْ. وَفَرَتْ: أَيْ أَتَمَّتْ وَكَمَّلَتْ. بَنَانِهِ: أَيْ إِصْبَعِهِ. تَعْفُو أَثَرَهُ: أَيْ تُغَطِّي أَثَرَهُ وَتَسْتُرُهُ حَتَّى لَا يَظْهَرَ. لَزِقَتْ: أَيْ انْقَبَضَتْ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: قِيَامُ التَّمْثِيلِ مَقَامَ الدَّلِيلِ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْبَخِيلِ. الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الْخَطَايَا، كَمَا يَمْحُو الثَّوْبُ الَّذِي يَجُرُّ عَلَى الْأَرْضِ أَثَرَ صَاحِبِهِ بِمُرُورِ الذَّيْلِ عَلَيْهِ. الْوَعْدُ الْحَقُّ لِلْمُتَصَدِّقِ بِالْبَرَكَةِ وَالْعَوْنِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالصِّيَانَةِ مِنَ الْبَلَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ الْبَلَاءَ. الْبَخِيلُ يُكْوَى بِكَنْزِهِ نَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَعْدٌ مِنَ اللهِ بِأَنْ يَفْضَحَ الْبَخِيلَ. الْكَرِيمُ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ انْشَرَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَالْبَخِيلُ إِذَا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ وَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الْفَلُوُّ هُوَ الْمُهْرُ. بِعَدْلٍ، أَيْ بِقِيمَتِهَا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ حَلَالٍ خَالٍ مِنَ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا. يُضَاعِفُ اللهُ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ حَتَّى تُصْبِحَ كَالْجَبَلِ. إِثْبَاتُ صِفَةِ الْيَدَيْنِ لِلَّهِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ فقال: أما إذا قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه. رواه مسلم. الحرة: الأرض الملبسة حجارة سوداء، والشرجة هي مسيل الماء. بفلا: هي الأرض التي لا ماء فيها. حديقة: أي بستان. ما يخرج منها: أي من حب وثمر. من فوائد الحديث: الأمم الماضية كانت فيهم الأعاجيب، ولا نصدق من ذلك إلا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فضل التقرب إلى الله تعالى بالإنفاق على العيال والمحتاجين. من الملائكة من هو موكل بالأرزاق أو السحاب. إثبات كرامات الأولياء، وهم الذين آمنوا وكانوا يتقون. باب النهي عن البخل والشح. قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى. وقال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وأما الأحاديث فتقدمت جملة منها في الباب السابق. عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم. رواه مسلم. رياض الصالحين.