الحلقة (080) باب الإيثار والمواساة
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الإيثار والمواساة. قال الله تعالى: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وقال تعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا، إلى آخر الآيات. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يضيف هذا الليلة؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم بشيء. وَإِذَا أَرَادُوا الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ، وَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِ السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مجهود: أي أصابني الجهد، وهو المشقة وسوء العيش والجوع. رحلة: أي مأواه في الحضر. إلا قوت صبياني: أي ما يعتادون الاقتيات به على عادتهم من الولع بالطعام. فعلِّليهم: أي أشغليهم بشيء غير هذا الطعام. وأريه أنا نأكل: أي أظهري له بتحريك الأيدي على الطعام وتحريك الفم والمضغ. طاوِيَيْنِ: أي جائعين. غدا: أي جاء صباحًا. من فوائد الحديث: إكرام الضيف واجب في الإسلام. جواز تحويل الضيف إلى من يكون قادرًا على الإنفاق عليه وسد حاجته. بيان حال ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلة المؤونة والتقلل من الدنيا مع كرم العطاء. عفة الأنصار وأنهم أهل الإيثار مع حاجتهم. الله سبحانه وتعالى رقيب على عباده، مطلع على أعمالهم، عالم بأحوالهم. استحباب بيان الإعجاب ممن فعل حسناً. بيان سبب نزول قوله تعالى في الأنصار: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. إثبات صفة التعجب لله، وهي من الصفات الفعلية التي يثبتها أهل السنة والجماعة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة. متفق عليه. وفي رواية لمسلم عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية. من فوائد الحديث: الحث على المكارم والقناعة بالكفاية. استحباب الاجتماع على الطعام؛ لأنه كلما ازداد الجمع ازدادت البركة. الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع. الترغيب في إطعام الطعام، وعدم احتقار المرء ما عنده فيمتنع من تقديمه. فَإِنَّ الْقَلِيلَ قَدْ يَحْصُلُ بِهِ الاكْتِفَاءُ، بِمَعْنَى حُصُولِ سَدِّ الرَّمَقِ وَقِيَامِ الْبُنْيَةِ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ. فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. يَصْرِفُ: أَيْ يَجُولُ. فَضْلُ ظَهْرٍ: أَيْ مَرْكُوبٌ زَائِدٌ عَنْ حَاجَتِهِ. فَلْيَعُدْ بِهِ: أَيْ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْإِمَامُ يَرْعَى رَعِيَّتَهُ وَيُرْشِدُهَا إِلَى أَرْشَدِ أَمْرِهَا. الْحَضُّ عَلَى التَّعَاوُنِ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَالتَّكَافُلِ فِي الشَّدَائِدِ. سُرْعَةُ اسْتِجَابَةِ الصَّحَابَةِ لِرَغْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَنْفِيذُهُمْ لَهَا، فَقَدْ كَانُوا بِحَقٍّ قُرَّةَ عَيْنِ اللَّهِ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ. فَقَالَتْ: لَسَجْتُهَا بِيَدَيَّ لَأَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا لَإِزَارُهُ، فَقَالَ فُلَانٌ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا. فَقَالَ: نَعَمْ. فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا. فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. بِبُرْدَةٍ: هِيَ الشَّمْلَةُ الْمُخَطَّطَةُ. إِزَارَةٌ: أَيْ لَفَّهَا عَلَى جِسْمِهِ مِنَ الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّ الْإِزَارَ مَا يُلْبَسُ فِي أَسْفَلِ الْبَدَنِ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ لِأَخْذِ الْهَدِيَّةِ جَبْرًا لِخَاطِرِ مُهْدِيهَا. كَرَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَعَةُ جُودِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ سَائِلًا. جَوَازُ إِعْدَادِ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، حَيْثُ جَعَلَهَا هَذَا الرَّجُلُ كَفَنًا لَهُ. مَشْرُوعِيَّةُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَرَائِنِ. حيث استدل الصحابة على أخذ الرسول له بأنه في حاجتها، فقالوا: أخذها محتاجًا لها. جواز استحسان المرء ما يراه على غيره من الملابس، إما ليعلمه قدرها، وإما ليعرض له بطلبه من حيث يسوغ له ذلك. مشروعية الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهرًا، وإن لم يبلغ درجة التحريم. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم. متفق عليه. أرملوا: فرغ زادهم أو قارب الفراغ. في الغزو: أي في الخروج لقتال العدو. فهم مني: أي قريبون مني خلقًا وهديًا. من فوائد الحديث: بيان فضل الأشعريين، وهم قبيلة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. بيان فضل المواساة، وفضيلة خلط الأزواد في السفر، وجمعها في شيء عند قلتها ثم قسمها. جواز تحديث الرجل بمناقب قومه. باب التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به. قال الله تعالى: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا. فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. متفق عليه. تله أي وضعه، وهذا الغلام هو ابن عباس رضي الله عنهما. الأشياخ جمع شيخ، وهو من طعن في السن، بنصيبي منك أي من أثر بركتك وفضلك. من فوائد الحديث: سنة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن. تقديم الأيمن ليس لعلو منزلته أو تفضيله على أهل المجلس، بل ترجيح لجهته. تقديم الاعتبار الشرعي على غيره من الاعتبارات. استحباب توقير الكبار وإنزال الناس منازلهم ما لم يتعارض بحكم شرعي. صاحب الحق أولى من غيره في استكمال حقه وعدم إيثار غيره. حرص الصحابة رضي الله عنهم على ما ينفعهم. الحث على أداء الحقوق لأصحابها. حسن الأدب في التعامل مع الناس، كبروا أو صغروا. جواز حضور الصغار مجالس الكبار؛ لأن في ذلك تعليماً وتأديباً لهم، فالرجولة لا تتقن إلا في مجالس الرجال. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا أيوب عليه السلام يغتسل عرياناً، فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه عز وجل: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك. رواه البخاري. فخر أي سقط. جراد من ذهب، أي قطع من ذهب تشبه الجراد من حيث الشكل والكثرة. يحثي، أي يأخذ ذلك بيده ويرميه في ثوبه. من فوائد الحديث: الحث على التماس ما يزداد الإنسان به بركة وفضلاً. جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه الشكر عليه. فضل الغني الشاكر. جواز الاغتسال عريانًا إذا كان وحده في خلوة، وإن تستر فالستر أولى. إثبات صفة الكلام لله تعالى. رياض الصالحين.