الحلقة (082) باب استحباب زيارة القبور للرجال

رياض الصالحين · المقطع 82 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب استحباب زيارة القبور للرجال وما يقوله الزائر. عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. رواه مسلم. من فوائد الحديث: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الناسخ والمنسوخ كما في كتاب الله عز وجل، وهذا إنما يكون في الأوامر والنواهي، أما في الخبر عن الله عز وجل أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز النسخ أبداً. النهي عن زيارة القبور منسوخ على ما جاء في هذا الحديث. الحث على زيارة القبور على وجه الاستحباب والندب؛ لأن الأمر جاء بعد حظر، فهو للإباحة كما هو مقرر في الأصول. العلة في زيارة القبور أنها تذكر بالآخرة، وترقق القلب، وتدمع العين، وتذكر بالموت، وتقصر الأمل. زيارة القبور لا تعني الاستعانة بالموتى ودعاء من فيها والاستغاثة بهم؛ لأن ذلك شرك ينافي حكمة الزيارة المشروعة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد. رواه مسلم. البقيع هو مقبرة أهل المدينة. أتاكم ما توعدون غدًا، أي جاءكم ما كنتم توعدون بوقوعه في الغد. مؤجلون، المراد بالأجل مدة ما بين الموت إلى النشور. الغرقد نوع من شجر الشوك، وسميت مقبرة المدينة بذلك لأن هذا النوع من الشجر كان موجودًا فيها. من فوائد الحديث: جواز زيارة المقابر في الليل. الأموات عاينوا ما وعدهم الله به من نعيم أو عذاب، وفي ذلك إثبات عذاب القبر ونعيمه. مصير كل حي هو الموت. استحباب الاستغفار للمؤمنين، وأن ذلك ينفعهم. في معنى الاستثناء في قوله صلى الله عليه وسلم: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون قولان: أحدهما أنه مردود على معنى قوله. دار قوم مؤمنين، أي: وَإِنَّا بِكُمْ لَاحِقُونَ على حال الإيمان إن شاء الله، لأن الفتنة لا يأمنها مؤمن، نسأل الله السلامة. الآخر: أنه ليس على سبيل الشك، ولكنها لغة العرب، ألا ترى قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ. والشك لا سبيل إلى نسبته إلى الله تعالى علام الغيوب. وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية. رواه مسلم. من فوائد الحديث: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم أمته ما ينفعهم. العلم قبل العمل، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمهم قبل أن يعملوا. لا يجوز الإقدام على عبادة بغير علم. استحباب الدعاء للموتى، وإشراك نفسه بالدعاء، وتخصيص السلام والدعاء بأهل الإيمان. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور بالمدينة. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. سلفنا: أي من مات قبل الإنسان ممن يعز عليه. نحن بالأثر: أي تابعون لكم عن قريب. باب كراهة تمني الموت بسبب ضر نزل به، ولا بأس به لخوف الفتنة في الدين. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب. متفق عليه، وهذا لفظ البخاري. وفي رواية لمسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا. يستعتب: أي يرجع إلى الله تعالى بالتوبة ورد المظالم وطلب رضا الله تعالى. من فوائد الحديث: النهي عن تمني الموت وطلبه من الله تعالى قبل أن ينزل به. لأن زيادة العمر في تقوى الله تعالى فيه زيادة في الحسنات. الدعاء يستجاب إذا وافق ساعة إجابة، فلذلك نُهي عن تمني الموت، فهو معدود في مكروهات الدعاء. ينبغي على المؤمن أن يستغل حياته في طاعة الله والازدياد منها، ومراجعة نفسه والتوبة مما بدر منه من المعاصي والآثام. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. متفق عليه. وعن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب بن الأرت رضي الله عنه نعوده، وقد اكتوى سبع كيات، فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له، فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب. متفق عليه، وهذا لفظ رواية البخاري. سلفوا، أي ماتوا وذهبوا إلى الله عز وجل، ولم تنقصهم الدنيا، أي لم يتمتعوا بشيء من ملذات الدنيا، فيكون ذلك منقصًا لهم مما أُعِدَّ لهم في الآخرة. لا نجد له موضعًا إلا التراب، أي جمعنا مالًا زائدًا عن الحاجة، لا نجد له مكانًا نحفظه فيه إلا التراب، ندفنه فيه مخافة السرقة. من فوائد الحديث: النهي عن تمني الموت. فضل خباب بن الأرت رضي الله عنه، ومزيد عرفانه بمولاه، وشدة اتهامه لنفسه ومحاسبته لها حتى في المباحات. الحث على عيادة المريض. فضل التشبه بمن ماتوا على الإسلام قبل أن يصيبوا من متاع الدنيا شيئًا. الإنفاق في التراب والبناء لا أجر فيه إذا كان لغير حاجة أو ضرورة، لأنه وضع للمال في غير مكانه، لأن الإنفاق في التراب يرغب في الدنيا ويلهي عن الآخرة. جواز الاكتواء عند الحاجة، لأنه آخر الدواء، ولكن ينبغي معرفة أن الكي مكروه، لأنه منافٍ للتوكل. باب الورع وترك الشبهات. قال الله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. متفق عليه. ورواه من طرق بألفاظ متقاربة. بيّن: أي ظاهر وواضح. مشتبهات: أي مشكلات لما فيها من شبه الحلال والحرام. فمن اتقى الشبهات: أي ابتعد عن المشكلات واحترز عنها. استبرأ لدينه وعرضه: أي طلب البراءة لدينه من النقص، ولعرضه من الطعن. الحمى: الكلأ الذي يمنعه الإمام ويتوعد من يرعى فيه. محارمه، أي معاصيه التي حرمها الله، كالقتل والسرقة. مضغة، أي قطعة من اللحم. من فوائد الحديث: لقد أنزل الله تعالى على عبده الكتاب، وبيّن فيه للأمة ما تحتاج إليه من حلال وحرام، ووكل بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فوالله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ترك السبيل نهجًا واضحًا. ما ترك الله ورسوله حلالًا إلا مبينًا، ولا حرامًا إلا مبينًا، لكن بعضه أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانه واشتهر وعلم حكمه لم يبق لأحد عذر بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام. هناك منزلة بين الحلال والحرام اختلط فيها الأمران، فمن اتقاها فقد نجا. الأمور المشتبهة التي لا يتبين أنها حلال ولا حرام لكثير من الناس، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، قد يتبين لبعض الناس أنها حلال أو حرام لما عنده من ذلك من مزيد علم. من اشتبه عليه أمر فعليه تركه، لأن الذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع في الحرام. الدافع وراء الاستبراء للدين والعرض أو الوقوع في الشبهات هو صلاح حركة القلب أو فسادها. فَإِنْ صَلَحَتْ حَرَكَةُ الْقَلْبِ صَلَحَتْ حَرَكَاتُ الْجَوَارِحِ، وَاجْتَنَبَ الْعَبْدُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالتَّقَشُّبَاتِ. يَنْبَغِي عَلَى الْعَبْدِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى أُمُورِ دِينِهِ، وَمُرَاعَاةُ الْمُرُوءَةِ وَاجْتِنَابُ خَوَارِمِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ اتُّهِمَ. الْوُقُوعُ فِي الْحَرَامِ الْبَيِّنِ لَا يَكُونُ مُبَاشَرَةً، وَلَكِنْ بِالتَّدَرُّجِ، فَمَنْ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْمَكْرُوهِ وَالْمُشْتَبَهِ صَارَتْ فِيهِ جُرْأَةٌ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَيُدْمِنُ عَلَيْهِ. يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَحْتَاطَ لِدِينِهِ، فَيَتْرُكَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ. الْعِلْمُ نُورٌ يُبْصِرُ بِهِ الْعَبْدُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ. صَلَاحُ الْبَاطِنِ يُؤَدِّي إِلَى صَلَاحِ الظَّاهِرِ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ. رياض الصالحين.