الحلقة (084) باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الاختلاط بالناس وحضور جمعهم وجماعاتهم ومشاهد الخير ومجالس الذكر معهم وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم وإرشاد جاهلهم وغير ذلك من مصالحهم لمن قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقمع نفسه عن الإيذاء وصبر على الأذى. اعلم أن الاختلاط بالناس على الوجه الذي ذكرته هو المختار الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وكذلك الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين وأخيارهم، وهو مذهب أكثر التابعين ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء رضي الله عنهم أجمعين. قال الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى، والآيات في معنى ما ذكرته كثيرة معلومة. باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين. قال الله تعالى: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. وقال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وقال تعالى: فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى. وقال تعالى: ونادى أصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون. أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد. رواه مسلم. لا يفخر، أي لا يتباهى ويتعاظم بمكارمه ومناقبه من حسب ونسب. لا يبغي، أي لا يظلم ولا يعتدي. من فوائد الحديث: فيه دلالة على أن السنة بوحي من الله تعالى، لكنه وحي غير متلو. التواضع من أسباب انتشار المساواة والعدل والإحسان بين الناس. الكبر ينتج التفاخر الذي يولد البغي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله. رواه مسلم. وعن أنس رضي الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. متفق عليه. من فوائد الحديث: استحباب السلام على الصغار وتدريبهم على الآداب الشرعية. حرص الصحابة رضي الله عنهم على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. طرح الكبار رداء الكبر، وسلوك التواضع ولين الجانب، يوجد الألفة بينهم وبين الصغار، ويشعر الصبيان بالرفعة والمنزلة العالية لطرح الكبير السلام عليه، بل تخلق في نفس الصبي توقير الكبير واحترامه، وأنه حقيق بذلك. وعن أنس رضي الله عنه قال: إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت. رواه البخاري. من فوائد الحديث: بيان بروزه صلى الله عليه وسلم للناس وقربه منهم، ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم، ويرشد مسترشدهم، وليشاهدوا أفعاله وحركاته فيقتدى به. شدة تواضعه صلى الله عليه وسلم بوقوفه مع المرأة والأمة وكل من يحتاجه. وفي هذا الفعل النبوي دعوة للمساواة بين الناس. بذل العون لكل محتاج، وقضاء حاجات الناس، قرب مكانه أو بعد. عدم كسر نفس الصغير، أو نهر السائل والفقير، والاستجابة لطلبه ما لم يكن إثماً. وعن الأسود بن يزيد قال: سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، يعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري. من فوائد الحديث: كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم وبره بأهله. الأعمال الدنيوية ينبغي أن لا تلهي العبد عن الصلاة. العبودية الحق هو أن يؤدي العبد كل طاعة في وقتها. وعن أبي رفاعة تميم بن أسيد رضي الله عنه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه. فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها. رواه مسلم. يخطب أي خطبة الجمعة، يسأل عن دينه أي عما يلزمه من أحكام دينه. من فوائد الحديث: كمال تواضعه صلى الله عليه وسلم، ورفقه بالمسلمين، وكمال شفقته عليهم وخفض جناحه لهم. جواز مقاطعة الخطيب وسؤاله إذا كان الأمر ضروريا. جواز قطع الخطبة إذا كان الداعي أولى من الاستمرار. من جهل شيئا ينبغي عليه سؤال أهل العلم، لأن شفاء العي السؤال، والعلم بالتعلم. جواز إعطاء الدروس وإلقاء المحاضرات وتعليم الناس على كرسي. المبادرة إلى جواب المستفتي، وتقديم أهم الأمور فأهمها. من قطع خطبته أتمها إذا عاد إليها ولم يستأنف. وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، وأمر أن تسلت القصعة، قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة. رواه مسلم. لعق: أي مص. أصابعه الثلاث: أي الوسطى ثم السبابة والإبهام. فليمط: أي فليزل. الأذى: أي الوسخ. تسلت: أي تلعق. القصعة: هي إناء يأكل عليه عشرة أنفس. من فوائد الحديث: السنة في تناول الطعام أخذه بثلاث أصابع. من السنة لعق الأصابع الثلاث أو يلعقها غيره. بيّن النبي صلى الله عليه وسلم العلة في لعق الأصابع وسلت الصحفة، وهو أن البركة لا يدري العبد أين هي، فلعلها فيما علق بالأصابع والصحفة من لطخ ذلك الطعام. ينبغي المحافظة على الطعام الساقط؛ لأن ذلك محافظة على النعمة، وعدم ضياع المال مهما كان قليلاً. الإسلام دين النظافة، فإذا وقع الطعام ينبغي إزالة الأذى عنه قبل أكله مرة ثانية. بيان أن الشيطان قد يشارك العبد في طعامه وشرابه إذا لم يتحرز منه بالوسائل الشرعية. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم. قال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة. رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو دُعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت، ولو أُهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلت. رواه البخاري. الكراع في البقر والغنم مستدق الساق من الرجل، والذراع من رؤوس الأصابع إلى المرفق في اليد، وهو أفضل من الكراع. من فوائد الحديث: إجابة الدعوة ولو إلى شيء يسير من الطعام، لما في ذلك من التواضع وإيجاد الألفة بين الناس. قبول الهدية مهما قلت، لما في ذلك من تألف القلوب، وإيجاد صلات المحبة بين المسلمين. شدة تواضعه صلى الله عليه وسلم، وجبره لقلوب الناس. وعن أنس رضي الله عنه قال: كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العَضْباء لا تُسبق، أو لا تكاد تُسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه. رواه البخاري. العَضْباء اسم لناقة الرسول صلى الله عليه وسلم. قعود هو الفتي من الإبل الذي استحق أن يُركب. حق أي واجب أوجبه الله على نفسه. وضعه أي خفضه وأسقطه. من فوائد الحديث: بيان هوان الدنيا على الله، وترك المباهاة والمفاخرة، والحث على التواضع وطرح رداء الكبر. بيان أن أمور الدنيا ناقصة وغير كاملة؛ لأنه ما ارتفع فيها شيء إلا اتضع. بيان ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من التواضع، وتطييب نفوس أصحابه. جواز اتخاذ الإبل للركوب والمسابقة عليها. رياض الصالحين.