الحلقة (085) باب تحريم الكبر والإعجاب

رياض الصالحين · المقطع 85 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب تحريم الكبر والإعجاب. قال الله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، والعاقبة للمتقين. وقال تعالى: ولا تمش في الأرض مرحًا. وقال تعالى: ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا إن الله لا يحب كل مختال فخور. ومعنى تصعر خدك للناس أي تميله وتعرض به عن الناس تكبرًا عليهم، والمرح التبختر. وقال تعالى: إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين. إلى قوله تعالى: فخسفنا به وبداره الأرض، الآيات. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل. إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس. رواه مسلم. بطر الحق أي دفعه ورده على قائله، وغمط الناس احتقارهم. مثقال، أي وزن. ذرة، أي الجزء المتناهي في الصغر. من فوائد الحديث: أمارة التواضع ولبابه خضوع العبد لصولة الحق والانقياد لها، فلا يقابلها بصولة عليها، بل يتلقى سلطان الحق وبرهانه بالخضوع له والذل والانقياد والدخول تحت طاعته، بحيث يكون الحق متصرفاً فيه تصرف السيد في مملوكه، لأن الكبر دفع الحق إنكاراً وترفعاً وتجبراً، ولذلك فالتواضع الخضوع للحق والانقياد له. المتكبر يزدري الخلق ويتكبر عليهم، وكفى بذلك قبحاً. حسن الهيئة في الملبس والنعل ليس من الكبر ما لم يدخل العجب نفس العبد فيختال بسبب ذلك. الكبر من الذنوب العظيمة التي تستحق عذاب الله في الدنيا والآخرة. وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله. فقال: كل بيمينك. قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر. قال: فما رفعها إلى فيه. رواه مسلم. وعن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر. متفق عليه. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: احتجت الجنة والنار، فقالت النار: فيَّ الجبارون والمتكبرون. وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم. فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتي، أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي، أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً. متفق عليه. من فوائد الحديث: من جر ثوبه بطراً استحق عقاب الله تعالى. تطويل الثوب دون الكعبين حرام، وإزرة المؤمن إلى نصف الساقين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر. رواه مسلم. العائل: الفقير. لا يزكيهم، أي لا يطهرهم من الذنوب، ولا يقبل أعمالهم فيمدحهم بها. شيخ، أي الطاعن في السن. من فوائد الحديث: إثبات صفة الكلام لله تعالى. الزنا والكذب والكبر من الذنوب الكبيرة والموبقات العظيمة. إذا وقعت المعصية ممن انتفت عنه دواعيها كانت أكبر وأعظم، فالزنا عندما يقع من الشيخ الكبير الذي جاءه النذير كان دليلاً على فساد طبعه وقلة دينه، وكذلك الكذب عندما يقع من الملك مع ما هو عليه من سلطان دل ذلك على خسته وقلة مروءته، والكبر إذا وقع من الفقير وهو لا يملك شيئاً يدعوه للكبر كان ذلك دالاً على استخفافه بأمر الدين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته. رواه مسلم. من فوائد الحديث: من صفات الله سبحانه وتعالى العزة والكبرياء. من نازع الله في صفة من صفاته ألقاه في النار. حقيقة الكبر أنه تجرؤ على مقام الله، فمن تكبر على المتكبر جل جلاله كان حقا على الله أن يعذبه. من عرف عظمة الله استأصل الكبر من نفسه، لأن الإنسان إذا تراءت له قدرة الخالق وعظمة الباري علم أن الكبرياء لله وحده، كما قال تعالى: وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة. متفق عليه. مرجل رأسه أي ممشطه، يتجلجل أي يغوص وينزل. من فوائد الحديث: العجب مهلكة. وَمَنِ اتَّصَفَ بِهِ سَاءَتْ عَاقِبَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَلْبَسِ وَالتَّأَنُّقُ يُدْخِلُ فِي نَفْسِ الْعَبْدِ الِاخْتِيَالَ وَالْعُجْبَ. إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ. جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ قَارُونُ الَّذِي خَسَفَ اللَّهُ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ. وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ أَيْ يَرْتَفِعُ وَيَتَكَبَّرُ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: أَشَارَ الْحَدِيثُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ حُشِرَ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْهُمْ، وَهُوَ مَعْنَى دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ أُخَرُ. رياض الصالحين.