الحلقة (087) باب الحلم والأناة والرفق

رياض الصالحين · المقطع 87 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الحلم والأناة والرفق. قال الله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وقال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. وقال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وقال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة. رواه مسلم. من فوائد الحديث: إثبات صفة الحب لله، الأخلاق منها جبلي ومنها ما هو مكتسب، فقد وقع في حديث الأشج في رواية أخرى عند البخاري وغيره قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: بل الله جبلك عليهما. قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله: الحرص على التثبت في الأمور والنظر في عواقبها، والتثبت في إطلاق الأحكام عليها. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله. متفق عليه. من فوائد الحديث: الحث على لين الجانب بالقول والفعل، واختيار الأسهل لما في ذلك من تواصل وتآلف. الرفق ينبغي أن يكون في حياة المسلم جميعها. رد السلام على أهل الذمة يكون بقول: وعليكم، يوضحه مناسبة ورود هذا الحديث. قالت عائشة رضي الله عنها: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك، ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد قلت: وعليكم. ينبغي على المسلم أن يتعود لسانه على الأدب، وألا يدمن على السب. ولذلك أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم على عائشة ردها على يهود بهذه المبالغة، مع استحقاقهم لذلك وأشد، فقد لعنهم الله وغضب عليهم في صريح القرآن الكريم. حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إيصال الإسلام لكافة الناس، ولذلك أراد الرسول أن يتألفهم مع فطرته صلى الله عليه وسلم، ورده عليهم قولهم من حيث لا يشعرون. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه. رواه مسلم. من فوائد الحديث: إثبات صفة المحبة لله تعالى، علو منزلة الرفق بين مكارم الأخلاق، الرفيق يستحق الثناء الجميل والأجر الجزيل من الله سبحانه وتعالى، تقبيح صورة العنف والشدة والغلظة، حيث أن صاحبها محروم من الخير؛ لأنه لا يفعل الخير. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه. رواه مسلم. زانه، أي حسنه وجمله. شانه، أي عابه وقبحه. من فوائد الحديث: ضرورة التحلي بالرفق، فإنه يزين المرء ويجمله في أعين الناس وعند الله تعالى. البعد عن العنف والشدة والغلظة؛ لأنها تشين صاحبها، وتلحق به العيب عند الناس والإثم عند الله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه، وأريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين. رواه البخاري. السجل هو الدلو الممتلئة ماء، وكذلك الذنوب. ليقعوا فيه، أي ليلوموه ويعنفوه. دعوه، أي اتركوه. أريقوا، أي صبوا. معسرين، أي مشددين ومنفرين. من فوائد الحديث: هذا الحديث يدل على جفاء كثير من الأعراب وجهلهم بأحكام الشريعة. الاحتراز من النجاسة كان مقرراً في نفوس الصحابة، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته صلى الله عليه وسلم قبل استئذانه. ولِما تقرر عندهم من طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تغيير المنكر يجب في حال القدرة على تغييره، ولا يجوز تأخيره. تغيير المنكر لا بد أن تراعى فيه الحكمة والنظر في عواقب الأمور. ينبغي على الداعي أن يقدم المصلحة الراجحة، وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما. ولذلك نهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن الوقوع به، وأمرهم بالكف عنه، وقال لهم: لا تزرموه، أي لا تقطعوا بوله، فإنهم لو فعلوا ذلك لهرب الأعرابي، ونالت نجاسة بوله مساحة أكبر من أرض المسجد، فعندئذ تكون قد حدثت مفسدة أعظم مما تلبس به الأعرابي. ينبغي المبادرة إلى تغيير المنكر وإزالة المفاسد عند زوال الموانع، ولذلك أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم عند فراغ الأعرابي من بوله بصب الماء عليه. ينبغي الرفق بالجاهل وأخذه باليسر، وعدم كهره وقهره وزجره، لأن ذلك يجعله يحجم عن طلب العلم وتقبل التعليم. ينبغي تعظيم المساجد وتنزيهها عن الأقذار. بيان لحرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم الناس الخير، وشفقته على أمته، ورفقه بالمخالف ما لم يكن معانداً. ينبغي وعظ المندفعين إذا أخطأوا، وترشيد انفعال المتحمسين إذا اشتعلوا حماسًا وهيجانًا وعاطفة. وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا. متفق عليه. من فوائد الحديث: واجب المؤمن أن يحبب الناس بالله ويرغبهم في الخير. ينبغي على الداعي إلى الله أن ينظر بحكمة إلى كيفية تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس، وذلك بأن يكون ميسرًا لا معسرًا. التبشير يولد السرور والإقبال والاطمئنان للداعي ولما يعرضه على الناس. التعسير يولد النفور والإدبار والتشكك في كلام الداعي. سعة رحمة الله بعباده، وأنه رضي لهم دينًا سمحًا وشريعة ميسرة، وأمر دعاته أن يكونوا كذلك. التشديد والتعسير والتنفير يقع على الخلق من أنفسهم وبأيديهم، فمن شدد شدد الله عليه. وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يحرم الرفق يحرم الخير كله. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: لا تغضب. فردد مرارًا، قال: لا تغضب. رواه البخاري. من فوائد الحديث: مشروعية السؤال وطلب الدلالة على الخير، فهذا الرجل طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال الخير. عد أهل العلم هذا الحديث من الأحاديث الكلية التي عليها مدار الإسلام. الغضب مفتاح الشر، ولذلك وصاه النبي صلى الله عليه وسلم ألا يغضب، ثم ردد هذه المسألة عليه مرارًا، والنبي صلى الله عليه وسلم يردد عليه هذا الجواب. وعن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته. رواه مسلم. كتب أي فرض. الإحسان أي إتقان العمل أو التفضل والإنعام. القتلة أي هيئة القتل وحالته. الذبحة أي هيئة الذبح. شفرته أي سكينه العريضة. من فوائد الحديث: ينبغي الإحسان إلى كل الخلق والرفق بهم والشفقة عليهم. ينبغي الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه، ولذلك لا يجوز تعذيب الحيوان عند ذبحه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه. ومن انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تُنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى. متفق عليه. من فوائد الحديث: الإسلام دين مداره على اليسر ورفع الحرج. الأخذ بالأيسر في كافة الأمور الدينية والدنيوية هو المنهج السوي. البعد عن المعصية والإثم ولو كانت توافق الهوى والنفس، أو يرى المرء فيها مصلحة؛ لأن الخير كل الخير في البر. سماحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجاوزه عن كل من أساء إليه في شخصه، وهذا دال على عظيم رحمته بأمته. ينبغي للعبد نصرة دين الله، والذب عنه عند الاعتداء عليه أو انتهاك حرمات الله. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل. رواه الترمذي. كل قريب، أي قريب من الناس محبب إليهم لحسن عشرته وطيب معاملته. هين، أي متواضع. لين، أي حسن المعاملة. سهل، أي سمح إذا قضى أو اقتضى، أو باع أو اشترى. من فوائد الحديث: مكارم الأخلاق منجاة من عذاب الله. حسن الأخلاق مع الناس من الإيمان. ينبغي تنبيه المتعلم أو السامع على الأمور التي لها شأن. رياض الصالحين.