الحلقة (088) باب العفو والإعراض عن الجاهلين

رياض الصالحين · المقطع 88 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب العفو والإعراض عن الجاهلين. قال الله تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. وقال تعالى: فاصفح الصفح الجميل. وقال تعالى: وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم. وقال تعالى: والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. وقال تعالى: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور. والآيات في الباب كثيرة معلومة. عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام. فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا. متفق عليه. الأخشبان: الجبلان المحيطان بمكة، والأخشب هو الجبل الغليظ. عرضت نفسي، أي قدمت له نفسي طالبا منه النصر والإعانة على إقامة الدين. ابن عبد ياليل بن عبد كلال، هو من أكابر أهل الطائف من ثقيف. مهموم، أي محزون. لم أستفق، أي لم أفطن لنفسي. قرن الثعالب، هو مكان بينه وبين مكة يوم وليلة، وهو ميقات أهل نجد، ويقال له قرن المنازل. جبلا مكة هما أبو قبيس والأحمر. من فوائد الحديث. بيان شفقة الرسول صلى الله عليه وسلم على قومه، وصبره على أذاهم، وعفوه عمن أساء إليه منهم. البلاء الذي يتعرض له الدعاة إلى الله متفاوت، فمنه التعذيب، ومنه التكذيب، ومنه الاستهزاء. الدعاة لا يكرهون الناس على اتباعهم والإيمان بدعوتهم، بل الواجب عليهم تبليغ الدعوة إلى الناس. إثبات صفة السمع والبصر لله تعالى، وأنه سميع بصير، لا يفوته شيء من المسموعات، ولا يخفى عليه شيء، دون أن يختلط عليه الأصوات أو الحركات أو السكنات. حفظ الله لأوليائه، وأنه ناصرهم ومعلي ذكرهم إذا نصروا دينه. الملائكة لهم أعمال مخصوصة يقومون بها بأمر الله تعالى. ينبغي على الدعاة أن ينظروا إلى مستقبل الدعوة، وليس إلى حاضرها فقط، ولذلك ليس من الحكمة في الدعوة استعجال نزول العذاب بالمخالفين. هدف الدعاة وغايتهم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور ليعبدوا الله وحده. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى. فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ تَعَالَى. رواه مسلم. من فوائد الحديث: بيان حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفوه عما أُصيب في نفسه. الغضب لله لا ينافي الحلم والأناة والرفق والعفو. وعن أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء. متفق عليه. برد: أي كساء أسود مربع. نجراني: منسوب إلى نجران، وهي بلدة في اليمن. غليظ الحاشية: أي خشن الجانب. جذبه: أي جذبه. عاتق: أي ما بين العنق والكتف. صفحة: أي جانب. من فوائد الحديث: غلظة الأعراب وجلافتهم في المعاملة، فهذا الأعرابي جذب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشدة. وناداه باسمه، وطلب منه عطاء. حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصبره على الجهال واحتمال أذاهم، وعفوه عمن أساء إليه. استحباب مقابلة الإساءة بالإحسان، وعدم مقابلة الإساءة بمثلها. يستحب للداعي إلى تطييب قلب المخطئ وعدم تعنيفه، لأن ذلك أنفع في نصحه، وأرجى لرجوعه إلى الحق. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. متفق عليه. يحكي، أي يشبه. أدموه، أي أسالوا دمه. من فوائد الحديث: بيان أن الأنبياء أشد الناس بلاءً وابتلاءً، ثم أتباعهم الأمثل فالأمثل. الناس نيام لا يعرفون حقيقة مآلهم، فيجهلون على من أراد لهم الخير ودعاهم إليه. وجوب الصبر وتحمل الأذى في سبيل الله. استحباب مقابلة الإساءة بالإحسان. جواز الدعاء للكافرين بالهداية. كمال خلق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. متفق عليه. باب احتمال الأذى. قال الله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وقال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وفي الباب الأحاديث السابقة في الباب قبله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال: لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله تعالى ظهير عليهم ما دمت على ذلك. رواه مسلم. باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع، والانتصار لدين الله تعالى. قال الله تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ. وَقَالَ تَعَالَى: إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة. متفق عليه. جاء رجل قيل هو حرام بن ملحان رضي الله عنه، وقيل غيره. فليوجز أي فليخفف، وليقتصر على ما ثبت في السنة، لا يزيد عليها، مع إتمام الأركان وأداء السنن. من فوائد الحديث: استحباب الغضب لله إذا انتهكت شيء من حرمات الشرع أو لحق الأذى والضيق بالمسلمين. جواز مشروعية إعلام ولي أمر المسلمين بما يضيق عليهم أو ينفرهم أو يكون سببًا لفتنتهم. جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا ترتب على حضورها ضرر لا يتحمل وأذى لا يطاق. حرمة التنفير من الدين بالأفعال أو الأقوال أو الإشارة. ينبغي على الإمام في الصلاة مراعاة حال من خلفه، فإن فيهم الكبير الهرم، والمريض والصغير وذا الحاجة، فعندئذ يجب التخفيف في الصلاة، وذلك بقراءة يسيرة، لا الإخلال بأركان الصلاة وواجباتها ومستحباتها. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه وتلون وجهه وقال: يا عائشة، أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله. متفق عليه. السهوة: كالصفة تكون بين يدي البيت، والقرام: ستر رقيق، وهتكه: أفسد الصورة التي فيه. تماثيل: أي صور. يضاهون: أي يشبهون ما يصنعونه بما صنع الله. من فوائد الحديث: مشروعية الغضب لمخالفة أمور الدين، فقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انتهاك حرمة من حرمات الله. وجوب الإنكار قدر الاستطاعة على المخالف، وإن لم يقصد المخالفة، فعائشة رضي الله عنها لم تتحر الوقوع فيما يغضب الله ورسوله. ينبغي على الرجل المسلم أن يكون قوامًا على أهل بيته، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويتفقد بيته لئلا يدخل فيه شيء مما حرم الله. الاشتغال بالتصوير أو الرسم حرام إذا كانت لذوات الأرواح، وكذلك كسبها حرام، وهذا جلي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشد الناس عذابًا المصورون. وضع التصاوير في البيوت حرام. يُشترط في الصورة الممتهنة أن تغير تغييرًا يأتي على معالمها، فقد هتك رسول الله صلى الله عليه وسلم القِرام فأفسد الصورة التي فيه. وعن عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد. ويم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. متفق عليه. من فوائد الحديث: حرمة الشفاعة في الحدود بعد بلوغها الإمام. يجب على الإمام أن يقيم الحدود إذا بلغت، ولا يقبل شفاعة الشافعين. شرف الجاني لا يسقط الحد عنه؛ لأن أحكام الشرع يستوي فيها الشريف والوضيع. تفريق الإمام بين الناس في إقامة حدود الله ظلم يجلب الهلاك للأمة. ينبغي التشديد في الإنكار على من هون في حد من حدود الله، أو رخص في تركه، أو تعرض للشفاعة فيمن وجب عليه. قبول توبة السارق، فقد تابت هذه المرأة وحسنت توبتها بعد أن أقام عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد. جواز ضرب المثل في الكبير القدر للمبالغة في الزجر، فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة لهذه الغاية. بيان منزلة أسامة بن زيد رضي الله عنهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ينبغي الاعتبار بأحوال من مضى من الأمم التي خالفت منهج الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، أو أرسل عليهم عذاب الاستئصال أو الاستبدال. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه. فقام فحكه بيده، فقال: إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه، وإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل القبلة، ولكن عن يساره أو تحت قدمه. ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا. متفق عليه. والأمر بالبصاق عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه. نخامة: ما يخرجه الإنسان من صدره عن طريق فمه أو أنفه. في القبلة: أي في الجدار الذي يستقبلونه جهة القبلة. فشق: أي فعظم عليه وصعب. فحكه: أي أزاله. من فوائد الحديث: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإزالته باليد إن أمكن. حرمة المساجد، وأنه لا يجوز تلويثها أو إلقاء الأوساخ فيها، ووجوب تنظيفها وتنزيهها عن كل ما ينفر منها. وجوب الغضب لله إذا انتهكت حرماته، صغرت أم كبرت في نظر الناس. الصلاة مناجاة بين العبد وربه، فلا بد أن يقبل العبد بكليته على مولاه، ويشتغل بما يصلح قلبه ونيته وقصده. العمل القليل في الصلاة لا يفسدها، حيث بزق رسول الله صلى الله عليه وسلم في ردائه، ورده على بعضه، وأرشدهم لذلك. جواز البصاق لمن كان في الصلاة إذا احتاج لذلك. رياض الصالحين.