الحلقة (090) باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية

رياض الصالحين · المقطع 90 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية، وتحريم طاعتهم في المعصية. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. متفق عليه. السمع والطاعة، أي القبول والانقياد لولي الأمر في طاعة الله. من فوائد الحديث: وجوب طاعة الإمام في كل أمر، سواء وافق رغبة العبد أم لا، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا طاعة لمن عصى الله. ينبغي التنازل عن الرغبات والمصالح الشخصية لوحدة الأمة الإسلامية وتماسكها. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعتم. متفق عليه. من فوائد الحديث: وجوب البيعة لإمام المسلمين على السمع والطاعة. الطاعة مناطها القدرة، فإذا أمر الخليفة بأمر لا يطاق ويخرج عن إمكان العبد فلا تلزمه الطاعة. ينبغي على ولي الأمر أن يشفق على رعيته اقتداءً بشفقة ورحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته. يجوز التلقين عند المبايعة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية. رواه مسلم. وفي رواية له: ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية. خلع يدًا عن طاعة، أي أبطل صفقة يده، ونكث بيعته بالخروج على الإمام وعدم الانقياد له في غير معصية. لا حجة له، أي لا عذر له في نقض عهده. ميتة جاهلية، أي مات على ضلالة وجهالة كما يموت أهل الجاهلية عليها، فإنهم كانوا لا يدخلون تحت طاعة أمير ويرون ذلك عيبًا. مفارق للجماعة، أي مخالف للمسلمين في البيعة والطاعة للإمام الحاكم على السمع والطاعة. من فوائد الحديث: وجوب التزام جماعة المسلمين ومبايعة إمامهم. من خلع الإمام ونكث البيعة فقد أتى بابًا من الكبائر، وتشبه بأخلاق أهل الجاهلية. يجب على الأمة تنصيب خليفة يقيمهم على شرع الله، ويقيم فيهم دينه، ويحمي بيضتهم؛ لأن الإمام جنة يقاتل من ورائه. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة. رواه البخاري. استعمل عليكم، أي أُمِّر عليكم. رأسه زبيبة، أي أسود صغير جعد الشعر. عبد حبشي، أي مملوك أسود. من فوائد الحديث: وجوب السمع والطاعة لولي الأمر فيما ليس بمعصية، دون النظر إلى لونه أو جنسه. تصح إمامة العبد والمولى في الصلاة إذا كان أقرأ القوم لكتاب الله؛ لأنه أُمِر بطاعته، فصحت الصلاة خلفه. يحرم الخروج على السلطان ولو جار؛ لأن القيام عليه يفضي غالبًا إلى أشد مما يُنكر عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك. رواه مسلم. عسرك ويسرك، أي فقرك وغناك. منشطك ومكرهك، أي ما تحب وتكره. أثرة عليك، أي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا. من فوائد الحديث: وجوب الطاعة في جميع الأحوال ما لم يؤمر بمعصية أو يكلف ما لا يطيق. إخبار باختصاص الأمراء بأمور الدنيا، ومنعهم الرعية من حقوقهم لما هو عندهم. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضا. وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه. ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر. رواه مسلم. قوله: ينتضل، أي يسابق بالرمي بالنبل والنشاب. والجشر هي الدواب التي ترعى وتبيت مكانها. قوله: يرقق بعضها بعضًا، أي يصير بعضها رقيقًا، أي خفيفًا لعظم ما بعده، فالثاني يرقق الأول. وقيل معناه: يشوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها. وقيل: يشبه بعضها بعضًا. منزلا، أي موضعًا نستريح فيه. خباء، أي ما يختبئ فيه، وهو ما يصنع من وبر أو شعر أو صوف، ويكون على عمودين أو ثلاثة، فإن كان فوق ذلك فهو بيت. عافيتها، أي سلامتها من الفتن. في أولها، أي في القرون الثلاثة الأولى المفضلة. آخرها، أي ما بعد القرون الثلاثة. بلاء، أي محنة وابتلاء. أمور، أي أشياء مستحدثة ومبتدعة ومخالفة للشرع. مهلكتي، أي فيها هلاكي. يزحزح، أي يُنحّى ويُبعد. فلتأته منيته، أي فليحرص أن يأتيه الموت وهو على الحال الموصوف. ليأتِ، أي ليجيء. صفقة، أي ضرب اليد على اليد. وكانت العرب تفعله إذا أوجبت البيع ثم استعملت في العقد. ثمرة قلبه، أي عقده وعزمه. ينازعه، أي يخرج عن طاعته ويريد الملك لنفسه. فاضربوا عنق، أي فاقتلوه. النبل، أي السهام العربية. النشاب، أي السهام مطلقًا. من فوائد الحديث استحباب جمع الأمة لإخبارها بما يهمها في دنياها وآخرتها. الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه لا يدلون أممهم إلا إلى الخير والسداد، ويحذرونهم من الشر والضر. وكذلك يجب أن يكون ورثة الأنبياء منبهين للأمة من كل شر وظلمة. الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر أمته بما سيصيب آخرها من بلاء وابتلاء وفتن. آخذ بعضها برقاب بعض، وكل فتنة أشنع وأفظع من سابقتها، وكل هذا مشاهد كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم. آخر هذه الأمة سينحرف عن منهج السلف الذي فيه العافية من الفتن، والعصمة من الضلال، والهداية من الغي. المؤمن يحافظ على دينه، ويبقى على أصالته، فلا يخوض في الفتن، ولا يجرفه تيار الفساد والإفساد. التحلي بمكارم الأخلاق والالتزام التوحيد يقي العبد شر الفتن وينقذه من جهنم. وجوب طاعة الإمام والوفاء بالبيعة. وجوب قتال الفئة الباغية التي تخرج على الإمام، وتشق عصا الطاعة، وتفرق جماعة المسلمين، وذلك للحفاظ على وحدة صف الجماعة المسلمة، وعدم تفريق كلمتها. وعن أبي هريرة وائل بن حجر رضي الله عنه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. من فوائد الحديث: وجوب الطاعة للحاكم ولو قصر في واجبه، حفاظًا على الاستقرار في المجتمع ودرءًا للفتن. تقصير الحكام في واجبهم لا يسوغ تقصير الناس في واجباتهم، لأن الشذوذ لا يعالج بالشذوذ. كل مسؤول عن عمله ومؤاخذ على تقصيره. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم. متفق عليه. أثرة: أي استئثار ولاة الأمور بالدنيا، ومنع إيصال الحقوق إلى المسلمين، وتفضيل بعضهم بالعطاء على بعض. من فوائد الحديث: ينبغي على ولاة الأمور العدل بين الرعية. يجب على ولاة الأمر إيصال الحقوق إلى أصحابها، وعدم أكل أموال الناس، وهضم حقوقهم، والإثراء على حساب الرعية. سيحدث الأمراء والحكام أمورًا منكرة في شرع الله. الخطأ لا يعالج بخطأ مثله، فمن هضم حقه وظلم احتسبه عند الله، والتجأ إليه لينصفه من الظالم. ولكن مع ذلك يؤدي الحقوق المترتبة عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني. متفق عليه. من فوائد الحديث: السمع والطاعة تجب للإمام الأعظم، ومن ولاه الإمام ولاية خاصة. طاعة أولي الأمر في المعروف قربة إلى الله يثاب عليها المرء. من يطع الرسول فقد أطاع الله؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بطاعة الله سبحانه، وأن الله أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية. متفق عليه. شبرًا: أي غير الكفر البواح. شبرًا: كناية عن مخالفة قليلة. من فوائد الحديث: الصبر على انحراف ولاة الأمر، ولكن مع إبداء النصح لهم على قدر الاستطاعة. التنفير من الخروج عن الطاعة لما يترتب عليه من مفسدة عامة للمسلمين. وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أهان السلطان أهانه الله. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: أشار الحديث إلى معنى جميل، وهو توقير ذوي الهيئات من العلماء والخلفاء والأمراء، لتصبح لهم مهابة في النفوس، فيسمع لهم ويطاع أمرهم، ولا يجترئ عليهم من يريد الفتنة وشق جماعة المسلمين. هذا المعنى من الحديث يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له. رياض الصالحين.