الحلقة (092) باب الحياء وفضله، وباب حفظ السر
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الحياء وفضله والحث على التخلق به. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه، فإن الحياء من الإيمان. متفق عليه. يعظه، أي ينصح له معاتبًا. دعه، أي اتركه على هذا الخلق الحسن. من فوائد الحديث: الحياء شعبة من شعب الإيمان؛ لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنعه الإيمان. وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم تأخير البيان عن وقت الحاجة. وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء لا يأتي إلا بخير. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: الحياء خير كله، أو قال: الحياء كله خير. من فوائد الحديث: الحث على التخلق بخلق الحياء، وأنه خير للفرد والمجتمع. لِمَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ الْحَسَنِ وَتَرْكِ الْقَبِيحِ. الْمُرَادُ مِنَ الْحَيَاءِ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَكُونُ شَرْعِيًّا، وَأَمَّا الْحَيَاءُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْحُقُوقِ، وَالْخَوْفُ مِنْ مُوَاجَهَةِ مَنْ يَرْتَكِبُ الْمُنْكَرَاتِ، فَلَيْسَ شَرْعِيًّا، بَلْ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ وَخَوَرٌ، وَإِنْ سُمِّيَ حَيَاءً لِمُشَابَهَتِهِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ فِي الصُّورَةِ الْخَارِجِيَّةِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الْبِضْعُ هُوَ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَالشُّعْبَةُ: الْقِطْعَةُ وَالْخَصْلَةُ، وَالْإِمَاطَةُ: الْإِزَالَةُ، وَالْأَذَى: مَا يُؤْذِي كَحَجَرٍ وَشَوْكٍ وَطِينٍ وَرَمَادٍ وَقَذَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ. الحياء رؤية الآلاء، أي النعم، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى حياء. العذراء، أي البكر، وهي الأنثى التي لم يمسها رجل. الخدر، ناحية في البيت يترك عليها ستر. عرفناه في وجهه، أي في تغير وجهه، ولم يتكلم لشدة حيائه. من فوائد الحديث: ضرورة التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياء، لأن الحياء خلق كريم. الحياء خلق غريزي في النساء. باب حفظ السر. قال تعالى: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها. رواه مسلم. يفضي كناية عن الجماع. ينشر سرها، أي يذكر للناس تفاصيل ما يجري بينه وبين زوجته في خلوتهما وأثناء الجماع وقبله من المقدمات. من فوائد الحديث. نشر أسرار الجماع كبيرة من الكبائر للوعيد المذكور فيه، من حقوق الزوجين على بعضهما عدم إفشاء أسرارهما. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه حين تأيمت بنته حفصة قال: لقيت عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. قال: سأنظر في أمري. فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا. فلقيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. فصمت أبو بكر رضي الله عنه، فلم يرجع إلي شيئًا. فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكحتها إياه. فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة، فلم أرجع إليك شيئًا. فقلت: نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها النبي صلى الله عليه وسلم لقبلتها. رواه البخاري. قوله تأيمت، أي صارت بلا زوج، وكان زوجها قد توفي رضي الله عنه. وجدت، أي غضبت. فلبثت، أي انتظرت. بدا، أي ظهر. فكنت أوجد، أي أشد غضبًا، لأفشي، أي لأنشر وأظهر. من فوائد الحديث: جواز عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير والصلاح لما فيه النفع العائد على المعروضة عليه. فضل كتمان السر والمبالغة في إخفائه، فإذا أظهره صاحبه ارتفع الحرج عمن سمعه. المعاتبة لا تفسد المحبة، بل العتاب على قدر المحبة كما قيل، ولذلك كان عمر رضي الله عنه عاتبًا على أبي بكر أشد من عتبه على عثمان، لما كان لأبي بكر عند عمر، ولعمر عند أبي بكر من مزيد المحبة والمنزلة. يستحب لمن أبدى عذره أن يقبل منه ذلك. الثيب لا بد لها من ولي كالبكر، فلا تزوج نفسها. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده، فأقبلت فاطمة رضي الله عنها تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا. فلما رآها رحب بها وقال: مرحبًا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارها فبكت بكاءً شديدًا، فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين. فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرًا. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق، لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك. فبكيت بكاءً الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة. فضحكت ضحك الذي رأيت، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. مشية، أي هيئة المشي. مرحبًا بك، أي نزلت مكانًا رحبًا واسعًا. رأى جزعها، أي ضعفها عن تحمل ما سمعت. عزمت عليك، أي أقسمت بمالي عليك من الحق، وهو كونها أم المؤمنين وزوجة النبي صلى الله عليه وسلم وحبيبته. يعارض القرآن، أي يدارسه القرآن، وهي مفاعلة من الجانبين، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ، وجبريل عليه السلام يسمع، ثم جبريل عليه السلام يقرأ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع. من فوائد الحديث: بيان منقبة فاطمة رضي الله عنها، وأنها سيدة نساء هذه الأمة. الحديث من دلائل النبوة، فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ابنته بقرب أجله، وأعلمها بأنها أول أهله لحوقًا به، فكان ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. جواز البكاء الخالي من الصراخ والعويل، والنياحة، ولطم الخدود، وشق الجيوب؛ لأنه رحمة جعلها الله في قلب عبده المؤمن. استحباب كتم السر وعدم إفشائه حتى يزول المانع من ذلك. إثبات حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين والمؤمنات، فإنهن أمهات المؤمنين. عرض القرآن على الحفاظ ومدارستهم له من طرق حفظه وتثبيته، فهي سنة متبعة بين أهل القرآن وحفاظه، ولذلك ينبغي على الحافظ أن يتعاهد حفظه. جواز الاستدلال بالقرائن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استدل بمعارضة جبريل له القرآن مرتين، وقد كان يعارضه في كل سنة مرة على قرب الأجل ودنو يوم الرحيل. وعن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا، فبعثني في حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة. قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر. قالت: لا تخبرن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا. قال أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت. رواه مسلم، وروى البخاري بعضه مختصرا. فأبطأت، أي تأخرت وطالت غيبتي. ما حبسك؟ أي ما منعك. من فوائد الحديث: فضل أنس بن مالك، وعظيم لطفه، وصدق أمانته ووفائه، وكتمانه سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًّا وميتًا. حسن تربية أم سليم لابنها، فإنها أوصته بعدم التحدث بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم. كتم سر الإخوان وعدم إفشائه من كرم الأخلاق والآداب الإسلامية. الذي ينبغي أن يُعلم في باب حفظ السر أنه لا يجوز البوح به إذا كان على صاحبه مضرة في حياته، فإذا مات وعُلِم أنه يلحق به غضاضة، فلا يجوز ذكر السر، وإن كان فيه منقبة أو كرامة فلا بأس بذكره. إذا كان في حفظ السر سفك دم حرام، أو هتك فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق، فحفظه حينئذ حرام، بل يجب التحذير من ذلك. رياض الصالحين.