الحلقة (093) باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد

رياض الصالحين · المقطع 93 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد. قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا. وقال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. متفق عليه. زاد في رواية لمسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر. وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، متفق عليه. خَصِلَةٌ، أي صفة. غَدَرَ، أي نقض ما اتفق عليه. فَجَرَ، أي بالغ في الخصام ومال عن الحق. من فوائد الحديث: في الحديث السابق ذكر ثلاث خصال، وفي هذه أربع، فالعدد لا يفيد الحصر، فلا منافاة بينهما. من صفات المنافق: الفجور في الخصومة. وعن جابر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، فلم يجئ مال البحرين حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء مال البحرين أمر أبو بكر رضي الله عنه فنادى: من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتنا، فأتيته وقلت له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي كذا وكذا، فحثى لي حثية فعددتها، فإذا هي خمسمائة، فقال لي: خذ مثليها. متفق عليه. هكذا وهكذا وهكذا إشارة إلى كيفية الأخذ ثلاثة. قبض، أي توفي. عِدَةُ أي شيءٍ وعَدَهُ به، فحثا لي حثيةً، أي غرف لي من المال بيديه. من فوائد الحديث: استحباب الوفاء بالوعد وإنفاذ العهد، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه لما قام مقام النبي صلى الله عليه وسلم، تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع، لذا وفى جميع ما عليه صلى الله عليه وسلم من دين أو عِدة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الوفاء بالوعد وإنجاز العهد. خبر الواحد حجة بنفسه، ولذلك بادر الصديق إلى إعطاء جابر اعتمادًا على خبره وتصديقًا له. باب المحافظة على ما اعتاده من الخير. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ. وقال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا. والأنكاث جمع نكث، وهو الغزل المنقوض. وقال تعالى: وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ. وقال تعالى: فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل. متفق عليه. باب استحباب طيب الكلام وطلاقة الوجه عند اللقاء. قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ. عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والكلمة الطيبة صدقة. متفق عليه. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق. رواه مسلم. باب استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب وتكريره ليفهم إذا لم يفهم إلا بذلك. عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه. وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا. رواه البخاري. من فوائد الحديث: تكرار السلام والكلام عند خشية عدم السماع أو الفهم أمر مستحب. التكرار ثلاث مرات غالبًا ما يقع فيه البيان. بيان أسلوب الخطاب والكلام في التعليم والوعظ. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامًا فصلًا يفهمه كل من يسمعه. رواه أبو داود. فصلًا أي بيّنًا ظاهرًا. من فوائد الحديث: وجوب وضوح الكلام وعدم الغموض فيه، وبيان مقصد الحديث، وعدم التردد في بيان الحق الذي يتكلم به. ينبغي على المتحدث أن يفهم السامعين حديثه حتى لا يخفى على بعضهم بعضه. إسماع وإيصال الصوت قدر الاستطاعة لكل مستمع لتحصل الفائدة من الحضور. ينبغي على الداعي إلى الله أن يبذل كل جهده ليصل كلامه إلى كل من أحب سماعه. ينبغي على الداعي أن يكون رحيمًا بالمدعوين في إيصال الحق لهم، حريصًا عليهم، ومهتمًا بأمرهم أكثر من أمره. باب إصغاء الجليس لحديث جليسه الذي ليس بحرام، واستنصات العالم والواعظ حاضر مجلسه. عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: استنصت الناس، ثم قال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. متفق عليه. من فوائد الحديث: جواز طلب العالم من الناس الاستماع له، وتوكيل من يبلغهم ذلك، أو من يقدر على إسكاتهم. الإنصات للعلماء لازم للمتعلمين؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء. أول العلم الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. نهي النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن الرجوع إلى ما كانت عليه في جاهليتها من استباحة دماء بعضها بعضًا. قتال أهل الإسلام بعضهم البعض مشابهة لأهل الكفر، الذين أمرنا الله أن نتنزه عن مشابهتهم في أي أمر من الأمور، وأن نتميز عنهم في كل شيء، حتى نكون خير أمة أخرجت للناس. الحديث من دلائل النبوة، ففيه إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستضع السيف على عاتقها، وتبيد خضراءها بنفسها، فنهاهم عن ذلك. باب الوعظ والاقتصاد فيه. قال الله تعالى: ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة. عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم. فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا. متفق عليه. يتخولنا: يتعهدنا. السآمة: أي الملل والضجر. من فوائد الحديث: استحباب التخول في الوعظ خشية الملال. بيان أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. يستحب أن يجعل الواعظ موعظته مشوقة حتى يقبل الناس على استماعها، ولا يكون ذلك إلا بالعلم المصاحب للعمل. عدم استجابة الواعظ لكل ما يطلب منه، بل يقدر بنفسه مقدار ما يصلح في كل أمر من الأمور؛ لأنه ينظر من بصيرة علمه، والناس يتعاملون باندفاع عواطفهم. وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة. رواه مسلم. مئنة: أي علامة دالة على فقهه. من فوائد الحديث: صلاة الجمعة ينبغي أن تكون أطول من الخطبة، لا يكون التطويل بما يدخل المشقة على المصلين وينفر الضعيف وذو الحاجة. إعطاء الأمور حقها ووضعها في نصابها وإتيانها من بابها الذي شرعه الله، لا يتأتى إلا بالفقه في الدين. وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان. قال: فلا تأتهم. قلت: ومنا رجال يتطيرون. قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم. رواه مسلم. الثكل: المصيبة والفجيعة. ما كهرني، أي ما نهرني. من فوائد الحديث: جواز الفعل القليل في الصلاة لحاجة، وأن بطلان الصلاة بالحركة لا يقيد بثلاث حركات. بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق الذي شهد الله تعالى له به. رفق النبي صلى الله عليه وسلم بالجاهل، ورأفته بأمته وشفقته عليهم. تحريم الكلام في الصلاة، سواء أكان لحاجة أو لغيرها، وسواء أكان لمصلحة الصلاة أو غيرها. كلام الجاهل لحاجة في الصلاة لا يبطلها إن كان قليلًا، ولم يخرجها عن كونها صلاة بكلامه. النهي عن تشميت العاطس في الصلاة، وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة. وتفسد به إذا أتى به عالماً عامداً. تحريم إتيان الكهان، وذلك لأنهم يتكلمون في علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل. الذهاب إلى الكهان محرم بالإجماع، ومن ذهب إليهم لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، ومن سألهم فصدقهم فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. الطيرة ينبغي ألا تمنع المسلم من فعل العمل الذي أقدم عليه. وعن العرباد بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، وذكر الحديث، وقد سبق بكماله في باب الأمر بالمحافظة على السنة. رياض الصالحين.