الحلقة (096) باب الاستخارة والمشاورة
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الاستخارة والمشاورة. قال الله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، وقال تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ، أي يتشاورون بينهم فيه. عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به. قال: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ. رواه البخاري. الاستخارة طلب خير الأمرين لما نحتاج إليه. من فوائد الحديث: الاستخارة لا تكون في أمر واجب أو مستحب؛ لأن الأصل فعلهما، كما أنه لا يُستخار في ترك الحرام أو المكروه. ولذلك قول جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، يريد الخصوص، أي الأمور المباحة كلها. تُستحب الاستخارة في كل أمر وإن صغر في ظن صاحبه؛ لأن الحقير قد يصبح عظيماً، ويترتب عليه أمور عظام. شدة حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم أصحابه هذه الصلاة لما فيها من منفعة وخير عظيم. الأمر بصلاة الاستخارة ليس على الوجوب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ دُونِ الْفَرِيضَةِ. يؤخر الدعاء عن الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ثُمَّ لْيَقُلْ. يجب على العبد أن يرد الأمور كلها إلى الله، وأن يتبرأ من حوله وقوته؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. يظن بعض العامة أنه يلزم بعد الاستخارة أن يرى المستخير رؤيا تدل على ما ينبغي أن يفعله، وهذا من الوهم. الظاهر أن دعاء الاستخارة يكون بعد ركعتين، سببهما الاستخارة لا غير، فلا يدعو بدعاء الاستخارة بعد صلاة فريضة أو سنة راتبة. على المستخير أن يفعل ما استخار الله من أجله، فيشرع فيه، فإن وجد تيسيرًا وتسهيلًا وتوفيقًا استمر، وإلا أحجم وانفصل، والله أعلم. باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة. عن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق. رواه البخاري. قوله خالف الطريق يعني ذهب في طريق ورجع في طريق آخر. من فوائد الحديث: استحباب مخالفة الطريق إذا رجع يوم العيد للإمام والمأموم. الطريق تشهد لصاحبها يوم القيامة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس، وإذا دخل مكة دخل من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى. متفق عليه. من فوائد الحديث استحباب مخالفة الطريق في الذهاب والإياب في الحج لتكثير طرق الخير. باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم، كالوضوء والغسل والتيمم، ولبس الثوب والنعل، والخف والسراويل، ودخول المسجد، والسواك والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، والخروج من الخلاء، والأخذ والعطاء، وغير ذلك مما هو في معناه. ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كالامتخاط والبصاق عن اليسار، ودخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع الخف والنعل والسراويل والثوب، والاستنجاء، وفعل المستقذرات وأشباه ذلك. قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ الآيات. وقال تعالى: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في شأنه كله. في طهوره وترجله وتنعله، متفق عليه. التيمن، أي الابتداء باليمين. تنعله، أي لبسه النعال. ترجله، أي تسريح شعره ودهنه. من فوائد الحديث: استحباب البدء بميامن أعضاء الجسد عند الوضوء والغسل. استحباب البدء بشق الرأس الأيمن في التمشيط والغسل والحلق. استحباب ابتداء لبس النعال باليمين. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: اليد اليسرى لا تستعمل إلا في إزالة الخبيث، وكل ما كان لا تكريم فيه. وعن أم عطية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهن في غسل ابنته زينب رضي الله عنها: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها. متفق عليه. من فوائد الحديث: يتولى غسل الأنثى النساء، ولا يجوز للرجال غسلها، ويستثنى من ذلك الزوجان، فإنه يجوز لكل منهما أن يتولى غسل الآخر. السنة في غسل الميت البدء بميامنه ومواضع الوضوء منه. بيان شرف أعضاء الوضوء عن سائر الجسد. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولهما تُنعل وآخرهما تُنزع. متفق عليه. من فوائد الحديث: استحباب الانتعال باليمين والنزع بالشمال، وهذا يدل على أن الكرامة تكون لليمين، فبها يبدأ وبها ينتهي. وعن حفصة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل يساره لما سوى ذلك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا لبستم وإذا توضأتم فابدؤوا بأيامنكم. رواه أبو داود والترمذي. وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر. ثم جعل يعطيه الناس، متفق عليه. وفي رواية: لما رمى الجمرة ونحر نسكه وحلق، ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: اقسمه بين الناس. نسكه، أي هديه الذي ساقه معه صلى الله عليه وسلم في حجته. من فوائد الحديث: استحباب تعليم الحلاق من أين يبدأ في حلاقته وأين ينتهي. من فصل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز التبرك به، وهذا خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يشاركه أحد من الأمة في ذلك. تخصيص بعض الناس بالخير دون غيرهم، ولذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طلحة الأنصاري وأعطاه شعره، وأمره أن يقسمه بين الناس. رياض الصالحين.