الحلقة (097) كتاب آداب الطعام

رياض الصالحين · المقطع 97 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. كتاب آداب الطعام. باب التسمية في أوله والحمد في آخره. عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. متفق عليه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: بسم الله أوله وآخره. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: السنة في التسمية هو لفظ بسم الله، ولا حجة لمن قال: بسم الله الرحمن الرحيم. زعم بعض أهل العلم أن التسمية تكون على كل لقمة، وهذا باطل، فإن التسمية في أول الطعام ولا تكرار. بالتسمية تحصل البركة، ويحرم الشيطان من المشاركة في الطعام. الإنسان كثير النسيان، فمن لم يسم في أول الطعام نسيانًا فلا حرج عليه، ولكن عليه أن يسمي إذا ذكر، قائلًا: بسم الله أوله وآخره. وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء. رواه مسلم. من فوائد الحديث: كل ما يذكر اسم الله عليه ييأس الشيطان منه. الشيطان يراقب ابن آدم في عمله وتصرفه وفي أموره كلها، فإذا غفل حل في غفلته ونال مراده منه. الشيطان يبيت في البيوت التي لم يذكر الله تعالى فيها، ويأكل من طعام أهلها إذا لم يذكر اسم الله عليه. لكل شيطان أتباع وأولياء يستبشرون بقوله ويتبعون أمره. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعاما، فجاءت جارية كأنها تدفع. فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَلَّا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدَيْهِمَا، ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: بَيَانُ أَدَبِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ انْتِظَارُهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْثَمَا يَبْدَأُ بِالطَّعَامِ. مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ أَنْ يَنْتَظِرَ الصَّغِيرُ حَتَّى يَبْدَأَ الْكَبِيرُ وَالْفَاضِلُ فِي الْأَكْلِ. الشَّيْطَانُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الْإِيمَانِ إِلَّا إِذَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. الشَّيْطَانُ يَدْفَعُ بَعْضَ أَهْلِ الْغَفْلَةِ لِأَعْمَالٍ هُوَ يَرْتَضِيهَا، لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى مُبْتَغَاهُ. وُجُوبُ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ لِمَنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ. الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ حَقِيقَةً وَيَشْرَبُ حَقِيقَةً، وَلَهُ يَدَانِ يَسْتَخْدِمُهُمَا فِي حَاجَتِهِ. وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ. كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جالسًا، ورجلٌ يأكل، فلم يسمِ الله، حتى لم يبقَ من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه. رواه أبو داود والنسائي. من فوائد الحديث: يجوز لأهل العلم مراقبة من دونهم لينفعونهم في أمور دينهم. جواز إخبار الناس عن إثم وقع واستدراك إذا كان في ذلك فائدة ومصلحة، وليس فيه تشهير. الشيطان يشارك في طعام من لم يذكر اسم الله عليه. إن ذكر الله على الطعام ولو لم يبقَ منه إلا جزء يسير، يُحرم الشيطان من كل ما كان قد أكل قبل. السنة فيمن نسي ذكر اسم الله في أول الطعام أن يذكر اسم الله متى تذكر، بقوله: بسم الله أوله وآخره. جواز الضحك على أهل الفسق إذا بدر منهم ما يسمح بذلك. الشيطان يستقيء حقيقة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل طعامًا في ستة من أصحابه. فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. من فوائد الحديث: استحباب الاجتماع على الطعام وإن كان قليلاً. جواز مشاركة الأكل في الطعام بعد أخذ الإذن منهم. ذكر الله تعالى يبارك في كل شيء. مشاركة الشيطان وأعوانه في أي شيء يمحق البركة، لذلك يلزم أهل الإيمان أن يدفعوا عن أنفسهم هذا الخبيث بالطرق المشروعة. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. مكفي: أي غير محتاج لأحد من خلقه، فهو الذي يطعم ولا يطعم. مودع: أي غير متروك. من فوائد الحديث: الله تعالى وحده هو المستحق للحمد دون غيره، فهو صاحب النعم ومسبغ الخير على العباد. لا أحد يسد حاجات عباده إلا الله. العباد كلهم محتاجون إليه، وهو مستغنٍ عنهم متفضل عليهم. وجوب أداء الشكر لكل منعم حسب ما يقتضيه الحال. وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: بيان عظيم فضل الله تعالى على عباده، فقد فتح باب الرحمة لهم وجازاهم بعظيم كرمه. تحصيل الرزق لا يكون بقوة العبد، بل بفضل الله تعالى. أمور العباد كلها من الله عز وجل، وليست بحولهم وقوتهم، ومع كل هذا إن شكروه زادهم فضلًا وخيرًا. البشرى لأهل الإيمان إذا أكثروا من الشكر غفرت ذنوبهم. باب لا يعيب الطعام واستحباب مدحه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. متفق عليه. من فوائد الحديث: كل طعام مباح ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيبه. أما الحرام فإنه يعيبه ويذمه وينهى عنه. عِظَم خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يحافظ على مشاعر الصناع والطهاة، فلا يقدح في عملهم، ولا يخدش شعورهم، ولا يكسر قلوبهم. بيان حسن الأدب، لأن المرء قد لا يشتهي طعامًا ويشتهيه غيره. كل مأذون فيه من قبل الشرع ليس فيه عيب. تعليم للناس كيفية معالجة ما كره من الطعام، وذلك بأن يترك. وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به، فجعل يأكل ويقول: نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل. رواه مسلم. الأدم ما يؤدم به، مائعًا كان أو جامدًا. من فوائد الحديث: مدح الاقتصاد في الأكل، فإنه نصف العيش. منع النفس عن كل ما تشتهيه، فليس كل ما اشتهى المرء اشترى وأكل. مدح الخل، سواء أكان لذاته أو تطييبًا لخاطر أهله. باب ما يقوله من حضر الطعام وهو صائم إذا لم يفطر. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم. رواه مسلم. قال العلماء: معنى فليصلِّ فليدعُ، ومعنى فليطعم فليأكل. من فوائد الحديث: وجوب تلبية الدعوة سواء أكان صائماً أو غير صائم. الصائم المتطوع أمير نفسه، له أن يفطر وله أن يتم صومه. الصائم إذا لم يأكل اشتغل بالدعاء لأهل الدعوة بالبركة والخير. الصوم لا يمنع صاحبه من حضور الوليمة، وإن لم يأكل، فقد يتبرك به أهل الطعام والحاضرون، وقد يتجملون به، وقد ينتفعون بدعائه أو بإشارته. باب ما يقوله من دعي إلى طعام فتبعه غيره. عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: دعا رجل النبي صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه له خامس خمسة، فتبعهم رجل، فلما بلغ الباب قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا تبعنا، فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع. قال: بل آذن له يا رسول الله. متفق عليه. من فوائد الحديث: مشروعية الضيافة، وتأكد استحبابها لمن غلبت حاجته لذلك. من صنع طعامًا لغيره، فهو بالخيارين: أن يرسله إليه، أو يدعوه إلى منزله. من دعا أحدًا، استحب أن يدعو معه من يرى من أخصائه وأهل مجالسته. استحباب إجابة الإمام والشريف والكبير دعوة من دونهم، وأكلهم طعامهم. من صنع طعامًا لجماعة، فليكن على قدرهم إن لم يقدر على أكثر. من تطفل في الدعوة، كان لصاحب الدعوة الحق في حرمانه، فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه. من قصد التطفل، لم يمنع ابتداءً؛ لأن الرجل تبع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرده، لاحتمال أن تطيب نفس صاحب الدعوة بالإذن له. لا يجوز استتباع المدعو غيره إلا إذا علم من الداعي الرضا بذلك. ينبغي على المدعو ألا يمتنع من الإجابة إذا امتنع الداعي من الإذن لبعض صحبه. ينبغي لمن استؤذن في مثل ذلك أن يأذن للمتطفل، وذلك من مكارم الأخلاق. رياض الصالحين.