الحلقة (098) باب الأكل مما يليه

رياض الصالحين · المقطع 98 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الأكل مما يليه ووعظه وتأديبه من يسيء أكله. عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام، سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك. متفق عليه. قوله تطيش معناه تتحرك وتمتد إلى نواحي الصحفة. وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلًا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال: كل بيمينك. قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت. ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه. رواه مسلم. باب النهي عن القران بين تمرتين ونحوهما إذا أكل جماعة إلا بإذن رفقته. عن جبلة بن سحيم قال: أصابنا عام سنة مع ابن الزبير، فرزقنا تمرًا، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يمر بنا ونحن نأكل، فيقول. لا تقارنوا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإقران، ثم يقول: إلا أن يستأذن الرجل أخاه. متفق عليه. من فوائد الحديث: الاجتماع على الطعام سنة ممدوحة، وفيه بركة بخلاف الفرقة. جواز مراقبة العلماء لمن دونهم لتعليمهم السنة. تحريم ظلم الآخرين في الأكل والشرب وكافة شؤون الحياة. حرمة القران في الطعام من غير إذن لمن يؤاكلهم، لما فيه غبن لرفقائه وشركائه. باب ما يقوله ويفعله من يأكل ولا يشبع. عن وحشي بن حرب رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع. قال: فلعلكم تفترقون؟ قالوا: نعم. قال: فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: الفرقة تسلب البركة، والاجتماع يورث الشبع والبركة. ذكر اسم الله عند الأكل واجب، وهو محصل للبركة المرجوة بتكثير الطعام. الذي يأكل وحده وإن كثر طعامه قام من غير اكتفاء، وبقي فيه جوع. بخلاف من أكل في جماعة وإن قل طعامهم. يجب على الأمة المسلمة أن تكون مجتمعة في كل شيء، في أكلها وشربها، وقتالها لعدوها، لوحدة عقيدتها وشريعتها. الشيطان قادر على الفرد وإيقاعه في مصايده ومكايده؛ لأنه يأكل من الغنم القاصية، وأما الجماعة فهو بعيد من النيل منها؛ لأن يد الله مع الجماعة. الفرقة كلها شر، والاجتماع كله خير. باب الأمر بالأكل من جانب القصعة، والنهي عن الأكل من وسطها. فيه قوله صلى الله عليه وسلم: وكل مما يليك، متفق عليه كما سبق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: الله عز وجل يكرم ذاكريه عند طعامهم بإنزال بركة الطعام عليهم، بخلاف غيرهم ممن لم يذكر اسم الله عليه. البركة خارجة عن الطعام، لا تحل فيه إلا إذا ذُكر اسم الله عليه. الأكل من وسط الطعام مكروه. الأدب في الطعام أن يكون الأكل من حافة القصعة لا من وسطها. وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يقال لها الغراء، يحملها أربعة رجال، فلما أضحوا وسجد الضحى أتي بتلك القصعة، يعني وقد ثرد فيها، فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها. رواه أبو داود. ذروتها أعلاها. جثا: أي قعد على ركبتيه جالساً على ظهور قدميه. الغراء سميت بذلك لبياضها بالإلية والشحم، أو لبياض برها، أو لبياضها باللبن. من فوائد الحديث: جواز تخصيص قصعة للطعام. جواز إطلاق وصف على القصعة أو تسميتها بما اشتهرت به. كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنايته بأصحابه وجلسائه. جواز الجلوس جماعة بعد الفجر لانتظار الضحى، وصلاتها فرادى. خدمة الأصحاب وإعانتهم لأخيهم وحملهم حاجته له. بيان استحباب مشاركة الكبراء والقادة والأمراء وغيرهم لعامة الناس في طعامهم وشرابهم، وعدم تخصيص أنفسهم بشيء زائد عن العامة. مراقبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له، واستفسارهم عما لم يعقلوه أو جهلوا حكمته ليقتدوا به. شدة تواضعه صلى الله عليه وسلم. تعليم الناس كيفية الأكل. البركة تكون في الوسط، وهي تؤثر في الطعام كله. باب كراهية الأكل متكئًا. عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا آكل متكئًا. رواه البخاري. قال الخطابي: المتكئ هنا هو الجالس معتمدًا على وطاء تحته. قال: وأراد أنه لا يقعد على الوطاء والوسائد كفعل من يريد الإكثار من الطعام، بل يقعد مستوفزًا لا مستوطئًا، ويأكل بُلْغَة. هذا كلام الخطابي، وأشار غيره إلى أن المتكئ هو المائل على جنبه، والله أعلم. الوِطَاءُ: المِهادُ الوَطِيءُ. بُلْغَةٌ: أي ما يكتفي ويجتزئ به. من فوائد الحديث: المتكئ هو المائل إلى جنبه، هذا هو الصواب، ويشهد له قول الصحابة رضي الله عنهم في الحديث الصحيح: وكان متكئًا فجلس، أي مائلًا إلى جنبه فجلس. ولذلك فالمعنى الأول الذي ذكره الخطابي مرجوح، والله أعلم. الأكل ينبغي أن يتقلل منه، ولا يأكل زيادة على الحاجة. التواضع عند الأكل وعدم التشبه بالعجم. وعن أنس رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا مقعيًا يأكل تمرًا. رواه مسلم. المقعي هو الذي يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه. من فوائد الحديث: جواز الأكل مقعيًا. باب استحباب الأكل بثلاث أصابع، واستحباب لعق الأصابع، وكراهة مسحها قبل لعقها، واستحباب لعق القصعة، وأخذ اللقمة التي تسقط منه وأكلها، ومسحها بعد اللعق بالساعد والقدم وغيرها. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم طعامًا. فَلَا يَمْسَحْ أَصَابِعَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا. متفق عليه. يلعقها بفتح الياء، أي يلحسها اغتنامًا للبركة وحرصًا عليها، ويلعقها بضم الياء، أي يلحسها من لا يقدر من ذلك. من فوائد الحديث: فيه رد على قوم أفسد عقولهم الترفه، فزعموا أن لعق الأصابع أمر مستقبح. وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها. رواه مسلم. من فوائد الحديث: استحباب الأكل بثلاثة أصابع، ولا يضم إليها غيرها إلا لضرورة. الأكل بثلاثة أصابع يدل على عدم الحرص على الطعام، ومن فعل خلاف هذا يوشك أن يكثر الطعام في فمه، فيزدحم مع مجراه من المعدة فيتأذى. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة. رواه مسلم. من فوائد الحديث: استحباب لعق الأصابع وسلت الصحفة، عدم التهاون بقليل الطعام الذي في اليد وغيرها. البركة تنزل في وسط الطعام، وتنتشر فيه كله، وتبقى إلى آخره. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة. رواه مسلم. من فوائد الحديث: جواز اتخاذ منديل لمسح الطعام، ولكن بعد اللعق، وهذا المنديل معد لإزالة ما بقي من طعام على البدن، وهو خلاف المنديل المعد للمسح بعد الغسل. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة. رواه مسلم. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاما لعق أصابعه الثلاث، وقال. إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها، وليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، وأمرنا أن نسلت القصعة، وقال: إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة. رواه مسلم. وعن سعيد بن الحارث أنه سأل جابرًا رضي الله عنه عن الوضوء مما مست النار، فقال: لا، قد كنا زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلًا، فإذا نحن وجدنا لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ. رواه البخاري. من فوائد الحديث: نسخ ما جاء من الأمر بالوضوء بعد أكل ما مسته النار. قلة الطعام في أول عهد النبوة، وصبر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على ضيق العيش للحفاظ على دينهم. أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبرون الدين أهم من الطعام والشراب. استعمال المنديل جائز عند توفره. رياض الصالحين.