الحلقة (101) باب تحريم الإسبال
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة، وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء، وكراهته من غير خيلاء. عن أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها قالت: كان كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ. رواه أبو داود والترمذي. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لست ممن يفعله خيلاء. رواه البخاري، ورواه مسلم بعضه. من فوائد الحديث: الإسبال كبيرة من كبائر الذنوب. استرخاء الثوب دون إرادة من صاحبه لا يعد من الإسبال؛ لأنه يتعاهده فيرفعه. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: إنك لست ممن يفعله خيلاء، أي لما كان إزارك يسترخي وتتعاهده فقد برئت من الإسبال. مجرد الإسبال يدخل في الخيلاء، ولذلك لا يجوز للرجل أن يجاوز ثوبه كعبه، ويقول: لا أفعله خيلاء؛ لأن النهي تناوله لفظًا، فثبت حكمًا. الإسبال فيه مفاسد كثيرة، منها الإسراف؛ لأن الثوب الزائد على قدر لابسه يدخل في باب الإسراف، ومنها التشبه بالنساء؛ لأن المرأة مأمورة أن تجر ثوبها شبرًا، وأُذن لها بذراع ولا تزيد، ومنها عقوبة المسبل ألا ينظر الله إليه يوم القيامة كما هو منصوص فيه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار. رواه البخاري. من فوائد الحديث: ما دون الكعب من القدم يعذب عقوبةً لإسبال صاحبه ثوبه، ولا يستخف أحد بذلك، فأهون أهل النار عذابًا رجل توضع جمرة في أخمص قدمه تغلي منها دماغه. وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. رواه مسلم. وفي رواية له: المسبل إزاره. المسبل: أي المرخي ثوبه دون الكعبين. المنان: الذي يذكر إحسانه ممتنًّا به على العباد. من فوائد الحديث: إثبات صفة الكلام لله تعالى. جواز التكرار في القراءة والكلام إذا كان مهمًّا، ويخشى أن يفوت السامعين شيئًا منه أو فوات إدراك حقيقة معناه. جواز الدعاء على من خالف أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في قول أبي ذر: خابوا وخسروا. جواز الاستفسار عن الكلام إن لم يفهمه السامع. جواز الكلام قبل بيان المراد لإظهار الاهتمام وبيان حسن الاستماع. تحريم الحلف لإنفاق السلعة وبيعها. المن بالصدقة ماحق لأجرها مبطل لها. وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. من فوائد الحديث: الإسبال ليس في الإزار فقط، وإنما يتعدى إلى القميص، فينبغي أن يكون للرسل والعمامة، فلا يطيل الرجل ذؤابتها حتى تصل إلى أليته. وعن أبي جريب بن سليم رضي الله عنه قال: رأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: عليك السلام يا رسول الله، مرتين. قال: لا تقل عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى، قل: السلام عليك. قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإذا أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك. قال: قلت: اعهد إلي. قال: لا تسبن أحداً. قال: فما سببت بعده حراً ولا عبداً، ولا بعيراً ولا شاة، ولا تحقرن من المعروف شيئاً، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق. فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ، فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. السَّنَةُ: أَيْ عَامُ قَحْطٍ الَّذِي لَمْ تُنْبِتِ الْأَرْضُ فِيهِ شَيْئًا. الْقَفْرُ: أَيِ الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَاءَ بِهَا وَلَا نَاسَ. الْفَلَاةُ: أَيِ الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَاءَ فِيهَا. اعْهَدْ إِلَيَّ: أَيْ أَوْصِنِي. الْمَخِيلَةُ: أَيِ الِاخْتِيَالُ وَالْكِبْرُ وَاحْتِقَارُ النَّاسِ وَالْعُجْبُ عَلَيْهِمْ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: سُرْعَةُ تَنْفِيذِ أَحْكَامِ اللَّهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتِجَابَتُهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وُجُوبُ التَّحَاكُمِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَدَمُ جَوَازِ الْخُرُوجِ عَنْهُمَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. يَنْبَغِي عَلَى مَنْ سَمِعَ أَمْرًا يَكْرَهُهُ أَلَّا يَرُدَّ عَلَيْهِ إِلَّا لِتَصْحِيحِهِ. ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَوْتَى تَخْتَلِفُ عَنْ تَحِيَّةِ الْأَحْيَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ. عليك السلام تحية الموتى، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه دخل المقبرة فقال: السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين. فقدم الدعاء على اسم المدعو له، كما هو في تحية الأحياء، وإنما قال ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة منهم في تحية الأموات، فالسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات. جواز السؤال تثبتًا لا تعنتًا، فقد سأل هذا الصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنت رسول الله؟ أمور العباد كلها بيد الله تعالى الذي له الخلق والأمر. التذكير بنعم الله تعالى على عباده مدعاة لدوام الشكر. استحباب طلب النصيحة من أهلها. وجوب إخلاص النصح للمنصوح. حرمة السباب والشتم واللعن؛ لأنها ليست من صفات المؤمنين بل من سمات الشياطين. عدم استصغار شيء من شعائر الدين أو استحقار أمر من المعروف. استحباب انبساط الوجه عند لقاء الإخوة، والتودد في الكلام عند مخاطبتهم. استجابة الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم، والتزامهم بما يوصيهم به ويرشدهم إليه. إذرة المؤمن إلى نصف الساق، فإن أحب الإطالة فإلى الكعبين ولا يزيد. إسبال الإزار بذاته من الخيلاء، وفيه رد على من فرق بين قصد الخيلاء ومن لم يقصد، فالمسبل سواء قصد أم لم يقصد فقد وقع في المخيلة، فتنبه ولا تكن من الغافلين. وجوب الستر على المسلمين وعدم كشف عوراتهم. من عصى الله فيك فأطع الله فيه، فكأنما تسفه المل. هتك أستار المسلمين وكشف عوراتهم وبال على صاحبه يوم القيامة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رجل يصلي مسبل إزاره، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ. فذهب فتوضأ ثم جاء، فقال: اذهب فتوضأ. فقال له رجل: يا رسول الله، ما لك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل. رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم. ورد في معنى هذا الحديث قول ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرم. من فوائد الحديث: وجوب تغيير المنكر. بعض العبادات مبنية على بعض، ما يعتقد العامة لا قيمة له يكون في ميزان الشرع عظيم، وهذا من باب عدم احتقار عمل من الأعمال. من صلى مسبلًا فليس له عند الله عهد. رياض الصالحين.