الحلقة (102) باب التوسط في اللباس
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب صفة طول القميص والكم والإزار وطرف العمامة، وتحريم إسبال شيء من ذلك على سبيل الخيلاء، وكراهته من غير خيلاء. وعن قيس بن بشر التغلبي قال: أخبرني أبي، وكان جليسًا لأبي الدرداء، قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له ابن الحنظلية، وكان رجلًا متوحدًا، قلما يجالس الناس، إنما هو صلاة، فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله. فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك. قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فقدمت، فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو، فحمل فلان فطعن، فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري، كيف ترى في قوله؟ فقال: ما أراه إلا قد بطل أجره. فسمع بذلك آخر، فقال: ما أرى بذلك بأسًا. فتنازعا حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سبحان الله، لا بأس أن يؤجر ويحمد. فرأيت أبا الدرداء سرَّ بذلك، وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أنت سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: نعم. فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول: ليبركن على ركبتيه. قال: فمر بنا يوماً آخر، فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك. قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها. ثم مر بنا يوماً آخر، فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل خريم الأسدي، لولا طول جمته وإسبال إزاره. فبلغ ذلك خريماً، فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه. ثم مر بنا يوماً آخر، فقال له أبو الدرداء كلمة تنفعنا ولا تضرك. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم قادمون على إخوانكم. فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ. رواه أبو داود. متوحدًا: أي يحب التوحد والانفراد عن الناس. السرية: أي القطعة من الجيش. ما أرى: أي ما أظنه. المنفق على الخيل: أي في رعيها وسقيها وعلفها ونحو ذلك. والمراد الخيل المعدة للجهاد في سبيل الله. جُمَّته: أي الشعر إذا طال حتى بلغ المنكبين وسقط عليهما. الشفرة: أي السكين العريضة. من فوائد الحديث: الحث على ملازمة أهل العلم ومجالستهم والانتفاع منهم. جواز ذكر أهل الفضل بفضلهم وإنزالهم منازلهم. جواز الانعزال عن الناس بقدر حتى يتفرغ للعبادة والذكر. من غلب عليه وصف جاز أن يطلق عليه. فيه استحباب طلب العلم والنصيحة ممن يملكها ويعطيها. عدم منع العلم عن الناس وبذله لهم. المرء لا يسأل عما لا ينفعه أو يضر غيره، بل مسألة المسلم من باب النفع لا غير. جواز مدح القبيلة والنفس إذا لم يكن في ذلك إثم من مخيلة وكبر ونحوهما. أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانوا يختلفون في حياته، وأن الخلاف لا بد منه لاختلاف الأفهام والعقول، ولكن لا بد من الاجتماع والخضوع للشرع الذي يزيل كل خلاف. إذا لم يوجد نص في مسألة خلافية، فينبغي تقريب وجهات النظر وتضييق الخلاف حتى لا يتسع، فيجر إلى الإثم والعداوة والبغضاء. جواز التسبيح قبل الجواب إما بذكر أو تعجب. الأجر والحمد يجتمعان في المؤمن، ولا يبطل المدح الأجر. إظهار السرور لكل ما فيه خير يعود على الآخرين بسبب الانتفاع بالفتوى. جواز التأكيد على الناصح ليحصل اليقين في قلب السامع. جواز تكرار طلب النصح. سعة رحمة الله تعالى لمن قام بشرعه. عظم أجر من أعد للجهاد في سبيل الله. جواز ذكر الرجل صاحب المنقبة ليحفظ قدره ولا ينزل غير منزلته. ذكر الحكم الشرعي ليس عيبًا فيمن ذُكر بسببه. تحريم التشبه بالنساء كإطالة الجمة. وجوب تميز الأمة عن غيرها من الأمم في مأكلها ومشربها وملبسها وهيئتها. إثبات صفة المحبة لله تعالى. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين، فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه. رواه أبو داود. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزار استرخاء، فقال: يا عبد الله، ارفع إزارك، فرفعته، ثم قال: زد، فزدت، فما زلت أتحراها بعد. فقال القوم: إلى أين؟ فقال: إلى أنصاف الساقين. رواه مسلم. من فوائد الحديث: هذا الحديث دامغ لشبهات كثير من المسبلين الذين لا يبالون بجر ثيابهم على الأرض بدعوى أنهم لا يفعلون ذلك خيلاء. في هذا الحديث لم يسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن استرخاء إزار عبد الله بن عمر زاهد الصحابة، بل أمره أن يرفعه، وهذا يدل على أن الإسبال ليس مقيداً بالخيلاء؛ لأنه نفسه خيلاء. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا. قَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ. قَالَ: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: اخْتِلَافُ حُكْمِ النِّسَاءِ فِي جَرِّ الذُّيُولِ عَنِ الرِّجَالِ. الْمَرْأَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهَا وَلَا يُظْهِرُهَا. قَدَمُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ، لَا يَجُوزُ أَنْ تَظْهَرَ لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا. تَحْرِيمُ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ أَوِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ. شِدَّةُ حَيَاءِ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهَا هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تَخْشَى أَنْ يَتَكَشَّفَ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِهَا، فَتَطْلُبُ مَزِيدَ السِّتْرِ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ حَالِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَبَرِّجَاتِ الَّتِي تَطْلُبُ إِحْدَاهُنَّ تَقْصِيرَ ثَوْبِهَا ذِرَاعًا أَوْ بَاعًا؟ إِنَّهُنَّ الْكَاسِيَاتُ الْعَارِيَاتُ، الْمَائِلَاتُ الْمُمِيلَاتُ، الَّاتِي أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَعْنِهِنَّ. نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخِزْيِ وَسُوءِ الْخُلُقِ. اسْتِحْبَابُ تَرْكِ التَّرَفُّعِ فِي اللِّبَاسِ تَوَاضُعًا. قَدْ سَبَقَ فِي بَابِ فَضْلِ الْجُوعِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ جُمَلٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ. عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ. من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: الذي يترك اللباس تواضعًا لا بخلًا أو إظهارًا للزهد، كان له الأجر المنصوص عليه في هذا الحديث. شرط ترك اللباس تواضعًا أن يكون زهدًا في الدنيا وعدم انشغال بزينتها. تكفل الله عز وجل بتزيين من ترك الزينة من أجله. باب استحباب التوسط في اللباس، ولا يقتصر على ما يزري به لغير حاجة ولا مقصود شرعي. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: يستحب إظهار نعمة الله والتحدث بها، لأن ذلك شكر لها بشرط ألا يكون بقصد الفخر. يستحب التوسط في اللباس، لأن الغالي شهرة، والداني دناءة، إلا ما كان تواضعًا لله واتباعًا لآثار من سلف، فالأعمال بمقاصدها. إظهار اللباس المتواضع مواساة للفقراء، وغناء عما في أيدي الأغنياء. رياض الصالحين.