الحلقة (104) كتاب آداب النوم
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. كتاب آداب النوم. باب آداب النوم والاضطجاع والقعود والمجلس والجليس والرؤيا. عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت. رواه البخاري. من فوائد الحديث: ينبغي على العبد إذا أراد أن يفر من الله فعليه أن يفر إلى الله، إذ لا ملجأ منه إلا إليه. الإقرار والإيمان بكتابه، وتصديقه برسوله الذي أوحي إليه هذا الكتاب. شدة توجه العبد إلى الله بوجهه وقلبه، وذكر الوجه لأنه أشرف ما في الإنسان. من فوض أمره لله كفاه الله كل أمره، وأعانه في حاجته. وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل، وذكر نحوه، وفيه: واجعلهن آخر ما تقول. متفق عليه. من فوائد الحديث: استحباب أن يبيت المسلم على طهارة لئلا يبغته الموت. يؤخذ للاستعداد للموت بطهارة القلب؛ لأنه أولى من طهارة البدن. يكون النوم على طهارة أصدق لرؤياه، وأبعد من تلاعب الشيطان به. استحباب الاضطجاع على الشق الأيمن. ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به. ولذلك لما أخطأ البراء بن عازب رضي الله عنهما وهو يستذكر هذا الحديث فقال: وبرسولك الذي أرسلت، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، وبنبيك الذي أرسلت. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يجيء المؤذن فيؤذنه. متفق عليه. اضطجع، أي وضع جنبه بالأرض، فيؤذنه، أي يعلمه باجتماع الناس. من فوائد الحديث: صلاة الليل إحدى عشر ركعة، هذا هو الذي واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم. أن صلاة الفجر لها سنة، وهي قبلها، ومن فاتته حتى صلى الفرض صلاها بعدها. سنة الاضطجاع قبل صلاة الفجر. خروج الإمام للصلاة إذا اجتمع الناس. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور. رواه البخاري. من فوائد الحديث: من السنة عند الاضطجاع على الشق الأيمن أن يضع العبد يده اليمنى تحت خده الأيمن. جواز إطلاق الموت على النوم، فإنه الموتة الصغرى، وذلك لعدم تعلق الروح بالجسد، واتصالها به اتصالا جزئيا. الله تعالى هو المتصرف في هذا الكون، لا أحد سواه، وهو الخالق البارئ، والمحيي والمميت. العبد يحمد الله تعالى على كل حال. وعن يعيش بن طخفة الغفاري رضي الله عنه قال: قال أبي: بينما أنا مضطجع في المسجد على بطني، إذا رجل يحركني برجله فقال: إن هذه ضجعة يبغضها الله. قال: فنظرت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: تحريم النوم على البطن؛ لأنها نومة يبغضها الله، وهي من صفات أهل النار، أعاذنا الله منها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قعد مقعدًا لم يذكر الله تعالى فيه، كانت عليه من الله تعالى تِرَة، ومن اضطجع مضجعًا لا يذكر الله تعالى فيه، كانت عليه من الله تِرَة. رواه أبو داود. التِرَة هي النقص، وقيل: التبعة. من فوائد الحديث: تعليم الناس كيف يقضوا أوقاتهم، وهو بأن يكون بالذكر والتذاكر. أعمال العباد كلها محصية عليهم، فلا بد من المحاسبة عليها، وأن كل لفظ وسكنة وحركة محسوبة مسجلة. كمال مجالس الناس بذكر الله تعالى. فَإِنَّ الْمَجَالِسَ الَّتِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا لَا خَيْرَ فِيهَا. بَابُ جَوَازِ الِاسْتِلْقَاءِ عَلَى الْقَفَا، وَوَضْعِ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى إِذَا لَمْ يَخَفْ انْكِشَافَ الْعَوْرَةِ، وَجَوَازِ الْقُعُودِ مُتَرَبِّعًا وَمُحْتَبِيًا. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: جَوَازُ الِاسْتِلْقَاءِ عَلَى الْقَفَا، وَوَضْعِ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَكَانَ فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْتِ الِاسْتِرَاحَةِ لَا عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ، لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الْجُلُوسِ بَيْنَهُمْ بِالْوَقَارِ التَّامِّ. جَوَازُ الِاتِّكَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَالِاضْطِجَاعِ وَأَنْوَاعِ الِاسْتِرَاحَةِ. الْأَجْرُ الْوَارِدُ لِلَّابِثِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَخْتَصُّ بِالْجَالِسِ، بَلْ يَحْصُلُ لِلْمُسْتَلْقِي أَيْضًا. يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْتَلْقِي أَنْ يَأْمَنَ انْكِشَافَ عَوْرَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا الِاسْتِلْقَاءُ وَيَسْتَدْعِي النَّوْمَ، وَالنَّائِمُ لَا يَتَحَفَّظُ عَلَى عَوْرَتِهِ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. من فوائد الحديث: جاء هذا الحديث برواية لمسلم: كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداء حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويبتسم. يستحب لمن صلى الفجر في جماعة أن يجلس حتى ترتفع الشمس ليحصل له فضيلة صلاة الضحى. حديث الصحابة رضي الله عنهم عن الجاهلية، لحمد الله على أنه أنقذهم من الضلالة إلى الهدى. معرفة الجاهلية دافع للتمسك بالإسلام؛ لأنه لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية، فبضدها تتميز الأشياء. جواز الضحك في المسجد. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة محتبياً بيديه هكذا، ووصف بيديه الاحتباء، وهو القرفصاء. رواه البخاري. الاحتباء هو أن يدير ذراعيه ويديه على ساقيه بفناء الكعبة، أي من جانبها من قبل الباب. من فوائد الحديث: جواز الاحتباء، ولكن يُستثنى منه ما إذا كان في المسجد ينتظر الصلاة. على المحتبي بيديه أن يمسك إحداهما بالأخرى، وأشار إليه في هذا الحديث من وضع إحداهما على رسغ الأخرى. لا يجوز أن يشبك أصابعه في هذه الحالة عند انتظاره للصلاة. وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله عنها قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة، أرعدت من الفرق. رواه أبو داود والترمذي. الفرق: أي الخوف. من فوائد الحديث: تواضع الجالس في جلسته مستحضرًا عظمة الله في حركاته وسكناته. أهل الإيمان بهيئتهم يفرق منهم غيرهم ويهابهم. وعن الشريد بن سويد رضي الله عنه قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على ألية يدي، فقال: أتقعد قعدة المغضوب عليهم؟ رواه أبو داود. الألية: أي أصل الإبهام وما تحته. من فوائد الحديث: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تنفير الناس من التشبه بالمغضوب عليهم والضالين، وهم اليهود والنصارى. أن الهيئة التي يجلسها المسلم لا يجوز أن تشابه جلسة أحد من أهل الكفر. وجوب إظهار التميز في هذه الأمة حتى في جلستها. رياض الصالحين.