الحلقة (107) كتاب السلام
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. كتاب السلام. باب فضل السلام والأمر بإفشائه. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها. وقال تعالى: فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم تحيةً من عند الله مباركةً طيبة. وقال تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها. وقال تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال سلام. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله تعالى آدم صلى الله عليه وسلم قال: اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك. فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ. فَزَادُوا: وَرَحْمَةُ اللهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: فِيهِ إِشْعَارٌ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا عَلَى بُعْدٍ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ. بَيَانُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلَّمَهُ كَيْفِيَّةَ السَّلَامِ، إِذْ أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْرِفُ شَيْئًا حَتَّى عَلَّمَهُ اللهُ. بَيَانُ كَيْفِيَّةِ السَّلَامِ الْمَشْرُوعَةِ عِنْدَ الْابْتِدَاءِ، وَأَنَّهَا تَحِيَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ دُونَ غَيْرِهَا. مَشْرُوعِيَّةُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُبْتَدِئِ فِي رَدِّ السَّلَامِ، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا. آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَبُو الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ. الْأَمْرُ بِتَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَأَخْذِهِ عَنْ أَهْلِهِ. وَعَنْ أَبِي عُمَارَةَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم. رواه مسلم. من فوائد الحديث: تعليق كمال الإيمان على المحبة في الله للدلالة على أهميتها. صلاح العباد فيما بينهم لا يكون إلا بالحب في الله. لن يدخل الجنة أحد إلا بالإيمان. فيه الحث العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم، من عرف منهم ومن لم يعرف. السلام شعار أهل الإسلام الذي يتميزون به عن غيرهم من الأمم. وعن أبي يوسف عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: إفشاء السلام دليل على الأمان في الأمة، ولا يمكن أن يستقر أحوال أفرادها إلا بإفشاء السلام المشروع الذي يجعل بعضهم يأمن بعضا. إطعامُ الطعامِ يعقبُ الأمنَ، فيجتمعان، فيذهب الخوف ويزول الفقر، فتتقارب القلوب، فتكون صلة الرحم. الأمان وسد الرمق وهدأة النفس مما يقوي على القيام بأوامر الله تعالى. ثمرة الأعمال الصالحة والأقوال الطيبة دخول الجنة. حرص الشريعة على بيان طرق الخير التي توصل إلى الجنة. وعن الطفيل بن أبي بن كعب أنه كان يأتي عبد الله بن عمر، فيغدو معه إلى السوق. قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله على سقاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا سلم عليه. قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوماً فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق، وأقول: اجلس بنا هاهنا نتحدث. فقال: يا أبا بطن، وكان الطفيل ذا بطن، إنما نغدو من أجل السلام، فنسلم على من لقيناه. رواه مالك في الموطأ. سقاط: أي بائع رديء المتاع. من فوائد الحديث. فيه جواز دعوة الآخرين للمشاركة في تطبيق السنن النبوية التي تعود على الملتزم بها بالخير العميم. إجابة المسلم لدعوة أخيه، وإن لم يعرف سببها ما لم تكن في معصية. استحباب السلام على كل مسلم عرفه أو لم يعرف. السوق مكان غفلة عن ذكر الله، ولا بد للناس من يذكرهم به في وسط هذه الغفلة. باب كيفية السلام. يستحب أن يقول المبتدئ بالسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيأتي بضمير الجمع، وإن كان المسلَّم عليه واحدًا. ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيأتي بواو العطف في قوله: وعليكم. عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عشر. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فجلس، فقال: عشرون. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فجلس، فقال: ثلاثون. فَقَالَ: ثَلَاثُونَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ وَالتِّرْمِذِيُّ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْقَادِمُ يَبْدَأُ الْجَالِسِينَ بِالسَّلَامِ. الرَّدُّ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ يَكُونُ قَبْلَ الْكَلَامِ مَعَهُ. تَعْلِيمُ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالْعِلْمَ، وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى تَحْصِيلِ الْأَفْضَلِ. مَرَاتِبُ السَّلَامِ وَالرَّدِّ مُتَفَاوِتَةٌ، وَالْأَجْرُ مُتَفَاوِتٌ، وَقَدْ ثَبَتَتْ زِيَادَةٌ وَمَغْفِرَةٌ. فَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُودَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، قَالَ: ثُمَّ أَتَى آخَرَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ. فَقَالَ: أَرْبَعُونَ. وَقَالَ: هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ. قَالَتْ: قُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ: وَبَرَكَاتُهُ، وَفِي بَعْضِهَا بِحَذْفِهَا، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: بَيَانُ فَضْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. بَيَانُ كَيْفِيَّةِ رَدِّ السَّلَامِ. وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ. أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثًا. رواه البخاري. وهذا محمول على ما إذا كان الجمع كثيرًا. من فوائد الحديث: بيان لحسن خُلُقه صلى الله عليه وسلم، ومزيد شفقته ورحمته بالعباد. الاقتصار على الثلاث إشعار بأن مراتب الفهم كذلك: أعلى وأوسط وأدنى، ومن لم يفهم من ثلاث عُسِر عليه أن يفهم بأكثر. إعطاء العذر لمن لم يرد السلام بانشغاله وعدم انتباهه وسماعه للمسلِّم. الاستئذان عادة يكون قبل السلام، وقد يكون معه. وعن المقداد رضي الله عنه في حديثه الطويل قال: كنا نرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا، ويسمع اليقظان، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلَّم كما كان يسلِّم. رواه مسلم. من فوائد الحديث: جواز حفظ نصيب من الطعام للغائب. بيان للشدة والضيق الذي كان يعيشه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وَأَنَّ التَّنَعُّمَ مَا عَرَفُوهُ إِلَّا يَسِيرًا، بِخِلَافِ الْأُمَّةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ. جَوَازُ الدُّخُولِ عَلَى الْأَهْلِ لَيْلًا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَادِمًا مِنْ سَفَرٍ. تَفَقُّدُ الضَّيْفِ إِنْ كَانَ قَدِ احْتَاجَ شَيْئًا. اسْتِحْبَابُ التَّسْلِيمِ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ، سَوَاءً كَانُوا أَيْقَاظًا أَوْ رُقُودًا. بَيَانٌ لِعَظِيمِ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَعْلِيمِهِ أَدَبَ التَّسْلِيمِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ إِذَا كَانُوا نِيَامًا، وَأَنَّ السُّنَّةَ أَلَّا يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يُوقِظُ النَّائِمَ وَلَا يَخْفِضُهُ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْيَقْظَانُ. وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّسَاءِ قُعُودٌ، فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: جَوَازُ جُلُوسِ النِّسَاءِ مَعَ بَعْضِهِنَّ فِي مَكَانٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى فِتْنَةٍ أَوْ ضَرَرٍ لِلْمَارَّةِ. جَوَازُ التَّسْلِيمِ عَلَى النِّسَاءِ. لَا يَجُوزُ التَّسْلِيمُ بِالْأَكُفِّ أَوِ الْإِصْبَعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَعَنْ أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ. أتيت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام يا رسولَ الله. قال: لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى. رواه أبو داود والترمذي. رياض الصالحين.