الحلقة (109) باب الاستئذان وآدابه
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الاستئذان وآدابه. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها. وقال تعالى: وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع. متفق عليه. من فوائد الحديث: سنية الاستئذان ثلاث مرات حتى يقطع الرجل العذر في تركه الوقوف أمام المنزل. لصاحب المنزل إذا سمع الاستئذان أن يأذن، سواء سلم مرة أو مرتين أو ثلاثًا. دخول البيت للرجل لا يجوز إلا بإذن صاحبه. الرجوع عن الباب ليس عيبًا في صاحب البيت ولا تنقيصًا للراجع، وإنما هو تطبيق لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، متفق عليه. من فوائد الحديث بيان سبب مشروعية الاستئذان، وهو من أجل النظر. الاستئذان يدفع عن المرء أن يُرى منه ما يكره في داخل بيته. فيه دلالة على مشروعية القياس والعلل، فقوله صلى الله عليه وسلم: من أجل البصر دل على أن التحريم والتحليل يتعلق بأشياء متى وجدت في شيء وجب الحكم عليه. المرء لا يحتاج في دخول منزله إلى الاستئذان لفقد العلة التي شُرع لأجلها الاستئذان، ولو احتمل أن يتجدد فيه ما يحتاج إليه معه شُرع له. يُشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، لئلا تكون منكشفة العورة. وعن ربيعي بن حراش قال: حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت، فقال: أألج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: دليل على أن الإذن في الدخول غير التسليم، وأن مجرد التسليم ليس إذنًا في الدخول. تعليم الناس كيفية الاستئذان والسلام على الناس. جواز أخذ العلم ممن تعلم أن معه الحق. جواز إبلاغ العلم بالواسطة إذا تمكن إيصاله كما هو من غير تحريف أو تبديل. عن كلدة بن الحنبل رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه ولم أسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟ رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: وجوب التسليم على الداخل. السلام قبل الكلام، ومن دخل قبل أن يسلم فلا يكلم حتى يسلم. جواز إرجاع الداخل ليتعلم كيفية الاستئذان إذا لم يترتب على ذلك ضرر أعظم منه كردة ونحوها. باب بيان أن السنة إذا قيل للمستأذن: من أنت؟ أن يقول: فلان، فيسمي نفسه بما يعرف به من اسم أو كنية، وكراهة قوله: أنا ونحوها. عن أنس رضي الله عنه في حديثه المشهور في الإسراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم صعد بي جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. ثم صعد إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة وسائرهن، ويقال في باب كل سماء: من هذا؟ فيقول: جبريل. متفق عليه. من فوائد الحديث: دليل على معراج النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس في أرض فلسطين إلى السماء. السماء الأولى يطلق عليها السماء الدنيا، وذلك لقربها من العباد بالنسبة لغيرها. دليل على الاستئذان، وأن ذلك كائن كذلك لأهل السماء، وأن السماء لا يدخلها إلا من أذن الله له بالدخول إليها. دليل على أن المستأذن يظهر اسمه ليتعرف عليه أهل البيت. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده، فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: من هذا؟ فقلت: أبو ذر. متفق عليه. من فوائد الحديث: جواز السير منفردًا في الليل. إذا خشي الرجل على أخيه، فيجوز له أن يراقبه، وأن يكون قريبًا منه لعله يحتاجه. استحباب التعريف بالاسم للسائل. وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل، وفاطمة تستره، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ. متفق عليه. وعن جابر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا أنا، كأنه كرهها. متفق عليه. من فوائد الحديث: أول الاستئذان قرع الباب ودقه. جواز إظهار الضجر ممن لم يعرف باسمه عند قرع الباب والاستئذان. باب استحباب تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، وكراهة تشميته إذا لم يحمد الله تعالى، وبيان آداب التشميت والعطاس والتثاؤب. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى كان حقًا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله. وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان. رواه البخاري. من فوائد الحديث: الله سبحانه وتعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب. استحباب مبادرة العاطس بالتشميت. العاطس لا يشمت إلا إذا حمد الله تعالى. التشميت إنما يشرع لمن سمع العاطس وسمع حمده، فلو سمع من يشمت غيره ولم يسمع هو عطاسه ولا حمده لا يشمته. كل من سمعه لزمه أن يشمته. الشيطان يتسلط على بني آدم في التثاؤب، وذلك ليخملوا في عبادتهم ولا ينشطوا. كل تثاؤب من الشيطان، ولا بد لمن حل به أن يكظمه قدر استطاعته. بيان أن الشيطان يضحك ممن يستحوذ عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم. رواه البخاري. من فوائد الحديث: تعليم الأمة كيفية العبادة في العطاس، وكيفية الرد عند الالتزام بهدي النبوة. دليل على عظيم نعمة الله تعالى على العاطس، ويؤخذ ذلك مما رتب عليه من الخير. إشارة إلى عظيم فضل الله تعالى على عبده، فإنه أذهب عنه الضرر بنعمة العطاس. بيان فضل الله تعالى على العبد إذ شرع له الحمد الذي يثاب عليه. الدعاء بالخير لمن بدأك بدعاء خير. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه. رواه مسلم. وعن أنس رضي الله عنه قال: عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشممته، وعطست فلم تشمتني. فقال: هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله. متفق عليه. من فوائد الحديث: جواز السؤال استفسارًا عن علة أمر خفيت على السائل حقيقته. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض أو غض بها صوته. شك الراوي. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: بيان الأدب في العطاس، وذلك حتى لا يؤذي من حوله بما يخرج من فمه من لعاب أو بصاق ونحوه. دفع الأذى عن المسلمين أمر واجب قدر الاستطاعة. إزعاج المسلمين بدوي صوت مرتفع عند العطاس لا يجوز، وينبغي خفض الصوت قدر الاستطاعة، وما لم يقدر عليه فلا عليه فيه. وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: كان اليهود يتسارعون لتلقي الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلمهم في قرارة أنفسهم أنه نبي. اليهود بطبعهم الخداع والكذب، ولا يجوز مجاراتهم على خداعهم وكذبهم، بل يرد عليهم بما يناسب الحال. لا يقال لأهل الكتاب عند العطاس ما خص به أهل الإيمان، وذلك لأن أحوج ما يحتاجون إليه الهداية، وهي أعظم رحمة من الله لهم. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل. رواه مسلم. من فوائد الحديث: يدل على أن التثاؤب من الشيطان ليدفع المتثائب إلى الكسل. الشيطان يرقب غفلة ابن آدم حتى يسخر منه، ويدخل في فيه ويضحك عليه، ولا أجمل من هذه اللحظة بالنسبة له. إرشاد إلى دفع مكائد الشيطان، وذلك بوضع اليد على الفم عند التثاؤب، وفي هذا دلالة للمسلم ليحارب الشيطان بكل وسيلة، وقد بين الله ذلك لعباده ليحصنهم من شرور الشيطان ويكبت غروره. رياض الصالحين.