الحلقة (112) باب ما يُدعى به للمريض
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب ما يُدعى به للمريض. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عاد مريضًا لم يحضره أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من ذلك المرض. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: من طلب أمرًا عظيمًا من الله، فإنه سبحانه لا يتعاظم عليه مطلوب لعظمته. الله سبحانه وتعالى يستجيب الدعاء من عباده ويفرحهم به. من قيل عنده هذا الدعاء، عافاه الله من مرضه، كما جاء في خبر الصادق المصدوق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده، وكان إذا دخل على من يعوده قال: لا بأس، طهور إن شاء الله. رواه البخاري. طهور، أي مرضك مطهر لك من ذنبك ومكفر لسيئاتك إن شاء الله. من فوائد الحديث: لا نقص على الإمام في عيادة مريض من رعيته، ولو كان أعرابيًا جافيًا. وكذلك لا ينقص قدر العالم إذا زار أو عاد الجاهل ليعلمه، ويذكره بما ينفعه، ويأمره بالصبر؛ لئلا يتسخط قدر الله فيسخط عليه. يستحب للعائد أن يسلي المريض عن ألمه، ويذكره بأجره بسبب ابتلائه. شدة حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وتفقده لهم، ومعرفة أحوالهم وزيارتهم، والدعاء لهم بالخير. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، اشتكيت؟ قال: نعم. قال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك. رواه مسلم. من فوائد الحديث: جواز الرقى بأسماء الله تعالى وصفاته. توكيد الرقية والدعاء وتكريره. جواز أن يرقي المسلم غيره إذا كانت مشروعة، كما أنه يرقي نفسه. إجابة المريض عند السؤال عن مرضه ليست تضجرا. إثبات أثر الحسد، وأن العين لها فعل قبيح على المعين، ولذلك عوذه جبريل عليه السلام بالله منهما. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما. أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قال لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه، فقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر. وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: يقول: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي. وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد. وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي. وكان يقول: من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: المسلم يكون في مرضه في انقطاع من الدنيا وإقبال على الله، وما أعده الله للمتقين. الله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يذكره ويثني عليه بما هو أهله. من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، وأحسن وفادته عليه، وأنزله دار كرامته. باب استحباب سؤال أهل المريض عن حاله. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا. رواه البخاري. بارئًا، أي أفاق من المرض. من فوائد الحديث: استحباب السؤال عن حال المريض إذا عسر الوصول إليه لعارض، كغلبة مرض أو شرب دواء، فيسن سؤال أهله حينئذ عن حاله. جواز التفاؤل بالخير للمريض. ينبغي لمن يُسأل عن حال المريض أن يجيب بمثل ما ذُكر فيه، مما يشعر برضا المريض مما هو فيه عن الله تعالى، وأنه مستمر على حمده وشكره، لم تغيره عنه شدة ولا مشقة، وبما يؤذن بخفة مرضه وقرب عافيته. بيان حرص الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكما أنه كان يتفقدهم ويسأل عنهم، فهم أخذوا عنه هذا الخلق، وقدموه على أنفسهم ومهاجهم. استحباب نداء الرجل بكنيته، والتحبب إليه بها. باب ما يقوله من أيس من حياته. عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستند إليَّ يقول: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى. متفق عليه. من فوائد الحديث: بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خُيِّر بين الحياة والموت، فاختار الموت لما فيه له من الخير ولقاء ربه عز وجل. الأنبياء يعرفون وقت موتهم إذ يشعرهم الله بذلك أو يخبرهم وهم على فراش الموت. ينبغي للمريض طلب المغفرة والرحمة، وألا يقنط من روح الله، ولا ييأس من رحمته. يستحب للمؤمن أن يستكثر من الخير على فراش الموت. من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت عنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعني على غمرات الموت وسكرات الموت. رواه الترمذي. غمرات الموت: أي شدائده. سكرات الموت: أي مقدماته التي تقوى على الروح حتى تغيبها عن إدراكها. من فوائد الحديث: جواز استخدام الماء للتخفيف من حمى الموت. التوجه إلى الله يخفف سكرات الموت على المحتضر. بيان أن للموت سكرات وشدة، حتى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم طلبوا تخفيف هذه السكرات. يستحب للمحتضر أن يكون شاكراً لله تعالى بقلبه ولسانه، ومستحضراً أن هذا آخر أوقاته من الدنيا، فيجتهد على ختمها بالخير بشهادة التوحيد. يكره للمحتضر الأنين والجزع، وسوء الخلق والشتم، والمخاصمة والمنازعة. باب استحباب وصية أهل المريض ومن يخدمه بالإحسان إليه، والصبر على ما يشق من أمره، وكذا الوصية بمن قرب سبب موته بحد أو قصاص ونحوهما. عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله، أصبت حداً فأقمه علي. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها. ففعل، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت. ثم صلى عليها. رواه مسلم. باب جواز قول المريض: أنا وجع، أو شديد الوجع، أو موعوك، أو وارأساه، ونحو ذلك، وبيان أنه لا كراهة في ذلك إذا لم يكن على سبيل التسخط وإظهار الجزع. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فمسسته، فقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا. فقال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. متفق عليه. يوعك من الوعك، وهو ألم الحمى وشدتها. من فوائد الحديث: المرض إذا اشتد عظم الأجر، وإذا زاد عليه حط عنه من خطاياه. جواز إلحاق الأولياء بالأنبياء لقربهم منهم، وإن كانت درجتهم منحطة عنهم. القوي يزاد عليه في البلاء، والضعيف يرفق به، إلا أنه كلما قويت المعرفة عند المبتلى هان عليه البلاء، ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء ليهون عليه. جواز مس المريض لمعرفة حاله. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني من وجع اشتد بي. فَقُلْتُ: بَلَغَ بي ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنتي، وذكر الحديث، متفق عليه. وعن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة رضي الله عنها: وارأساه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنا وارأساه، وذكر الحديث. رواه البخاري. من فوائد الحديث: جواز شكوى المريض إن كان على غير سبيل التسخط للقدر والتضجر. الألم لا يقدر أحد على رفعه، والنفوس مجبولة على وجدان ذلك، فلا يستطيع تغييرها عما جبلت عليه، وإنما كلف العبد ألا يقع منه في حال المصيبة ما ليس له سبيل إلى تركه، كالمبالغة في التأوه والجزع الزائد؛ لأن من فعل ذلك خرج عن معاني أهل الصبر. مجرد الشكوى ليست مذمومة حتى يحصل التسخط للمقدور. الاتفاق على كراهة شكوى العبد ربه، وشكواه صلى الله عليه وسلم إنما هو على سبيل ذكر للناس لا على سبيل التضجر. فيه دليل على أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قبل عائشة رضي الله عنها. الموت قد يسبق بشعور أنه قد دنا. رياض الصالحين.