الحلقة (115) باب الإسراع بالجنازة
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الإسراع بالجنازة. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: فخير تقدمونها عليه. من فوائد الحديث: استحباب الإسراع في دفن الجنازة، استحباب المشي بسرعة عند حملها وعدم الإبطاء في سيرها، يكره الإسراع الشديد لما يترتب عليه من مفاسد. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق. رواه البخاري. باب تعجيل قضاء الدين عن الميت والمبادرة إلى تجهيزه إلا أن يموت فجأة، فيترك حتى يتيقن موته. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه. رواه الترمذي. معلقة بدينه، أي مرهونة ومحبوسة عن مقامها الكريم. من فوائد الحديث: استحباب الإسراع بقضاء الدين عن الميت لتأثره به بعد موته. وعن حسين بن وحوح رضي الله عنه أن طلحة بن البراء بن عازب رضي الله عنهما مرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال: إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجلوا به، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله. رواه أبو داود. باب الموعظة عند القبر. عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. فقالوا: يا رسول الله. أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له. وذكر تمام الحديث. متفق عليه. الغرقد: ضرب من شجر العضاه وشجر الشوك، وبقيع الغرقد مقبرة أهل المدينة النبوية. مخصرة: أي عصا ذات رأس معوج. نكس: أي طأطأ رأسه. من فوائد الحديث: الموعظة على القبر مستحبة؛ لأنه حينئذ أنجع، وذلك لأن رؤية الميت وذكر الموت يرقق القلب ويذهب غلظته. جواز القعود في المقبرة حول العالم ليعظهم، شريطة ألا يؤذي الأموات بجلوسهم على قبورهم. إثبات القدر، وأن العمل لا يناقض الكتاب، والكتاب ليس بإجبار، بل هو كائن على أساس علم الله سبحانه وتعالى. الله عز وجل ييسر من سبق في علمه وكتب في كتابه أنه من أهل السعادة إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاء ييسره إلى عمل أهل الشقاء. باب الدعاء للميت بعد دفنه، والقعود عند قبره ساعة للدعاء له والاستغفار والقراءة. عن أبي عمرو، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو ليلى، عثمان بن عفان رضي الله عنه قال. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: أخوة الإيمان ونفعها لا تكون فقط في حال حياته، وإنما تتعداه إلى ما بعد الموت. الله سبحانه وتعالى يشفع أهل الإيمان ببعض. بيان لما يحتاجه بعد الموت، وهو سؤال الله له الثبات. وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: إذا دفنتموني فأقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جزور ويُقسم لحمها، حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي. رواه مسلم، وقد سبق بطوله. قال الشافعي رحمه الله: ويستحب أن يُقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن عنده كان حسناً. من فوائد الحديث: استئناس الميت بدعاء إخوانه وأهله له عند قبره. قول الشافعي رحمه الله: ويستحب أن يُقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن عنده كان حسناً، هذا القول لأصحاب الشافعي وليس للشافعي نفسه. باب الصدقة عن الميت والدعاء له. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ. عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم، متفق عليه. افتلتت أي سلبت نفسها فماتت. من فوائد الحديث: موت الفجأة يذهب على صاحبه الخير من التصدق والاستغفار. جواز صدقة الولد عن والديه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. رواه مسلم. من فوائد الحديث: بيّن هذا الحديث بعض ما ينتفع به الميت بعد موته، وهي ما خلفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية. ومما ينتفع به الميت من عمل غيره أمور منها: أولاً: دعاء المسلم له. ثانياً: قضاء ولي الميت صوماً نذر عنه. ثالثاً: قضاء الدين عنه من أي شخص كان. باب ثناء الناس على الميت. عن أنس رضي الله عنه قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت. ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيراً، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً، فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض. متفق عليه. من فوائد الحديث: جواز الثناء على الميت بخلاف الحي، وذلك أن الميت ينفعه الثناء؛ لأن فيه شهادة عند الله عليه، بخلاف الحي، فإنه يكون له سبباً في الرياء أو الكبر، وغير ذلك من أمراض النفوس. المعتبر في مثل هذه الشهادة أهل الفضل والصدق دون غيرهم من الفسقة والمنافقين؛ لأنهم يثنون على من يكون مثلهم. بيان فضيلة هذه الأمة، فهم شهداء الله في الأرض. وعن أبي الأسود قال: قدمت المدينة، فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مَرَّ بِأُخْرَى، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مَرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ. فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: تَأَسِّي الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الْمُؤْمِنُونَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي تَقْيِيمِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْطَلِقُونَ مِنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ، وَهُوَ اعْتِبَارُ أَعْمَالِ الرِّجَالِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا الْعَكْسُ. بَابُ فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ. عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ. متفق عليه. لم يبلغ الحِنث، أي لم يبلغ الحلم، فتكتب عليهم الآثام. من فوائد الحديث: من صبر عند فقد أولاده واحتسب، أدخله الله الجنة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، لا تمسه النار إلا تحلة القسم. متفق عليه. وتحلة القسم قول الله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا، والورود هو العبور على الصراط، وهو جسر منصوب على ظهر جهنم، عافانا الله منها. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله. قال: اجتمعن يوم كذا وكذا، فاجتمعن، فأتاهن النبي صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله، ثم قال: ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجاباً من النار. فقالت امرأة: واثنين. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاثْنَيْنِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: جَوَازُ طَلَبِ النِّسَاءِ مِنَ الْعَالِمِ أَنْ يُعَلِّمَهُنَّ الشَّرِيعَةَ. جَوَازُ تَخْصِيصِ يَوْمٍ لِتَعْلِيمِ النِّسَاءِ. يَنْبَغِي عَلَى الْعَالِمِ تَنْبِيهُ الْمُتَعَلِّمِ عَلَى أُمُورٍ هُوَ بِحَاجَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، فَهَا هُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَ النِّسَاءَ حَثَّهُنَّ عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ فَقْدِ أَوْلَادِهِنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ يُكْثِرْنَ النِّيَاحَةَ وَيُظْهِرْنَ الْجَزَعَ أَكْثَرَ مِنَ الرِّجَالِ. بَابُ الْبُكَاءِ وَالْخَوْفِ عِنْدَ الْمُرُورِ بِقُبُورِ الظَّالِمِينَ وَمَصَارِعِهِمْ، وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الْغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ. عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ، يَعْنِي لَمَّا وَصَلُوا الْحِجْرَ دِيَارَ ثَمُودَ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجْرِ قَالَ: لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ. ثم قنع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، وأسرع السير حتى أجاز الوادي. الحجر ديار ثمود فيما بين المدينة والشام، وكان هذا في غزوة تبوك. أن يصيبكم، أي خشية أن يصيبكم. قنع رأسه، أي ألقى عليه القناع. أجاز الوادي، أي قطعه وخلفه وراءه. من فوائد الحديث: البكاء يبعث على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر مع تمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك. من لا يعتبر بمثل هذا يدل على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم. الزجر عن السكنى في ديار المعذبين، والإسراع عند المرور بها. رياض الصالحين.