الحلقة (116) كتاب آداب السفر
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. كتاب آداب السفر. باب استحباب الخروج يوم الخميس، واستحبابه أول النهار. عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة تبوك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس، متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين: لقلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلا في يوم الخميس. من فوائد الحديث: استحباب خروج المسافر يوم الخميس. وعن صخر بن وداعة الغامدي الصحابي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك لأمتي في بكورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم من أول النهار، وكان صخر تاجرًا، فكان يبعث تجارته أول النهار، فأثرى وكثر ماله. رواه أبو داود والترمذي. البكور هو أول النهار. من فوائد الحديث: الأوقات تتفاضل عن بعضها، أفضل الأوقات وأبركها هو أولها. يستحب تحري الوقت المبارك في اليوم لتحصيل البركة فيه. باب استحباب طلب الرفقة، وتأميرهم على أنفسهم واحدًا يطيعونه. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن الناس يعلمون من الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده. رواه البخاري. من فوائد الحديث: النهي عن السفر منفردًا؛ لأن الناس لو علموا ما علم النبي صلى الله عليه وسلم من الضرر في المسير سفرًا وحده، ما ساروا بليل ولا نهار. الوحدة فيها ضرر كبير يلحق العبد في سفره، فهو لا يجد معينًا في طريقه إذا مرض أو تعرض لمكروه. ذكر الليل فيه دلالة على أن احتمال وقوع الضرر له أكبر. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب. رواه أبو داود والترمذي والنسائي. من فوائد الحديث: المنفرد في سفره يكون معه شيطان. التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، وهو شيء يحمل عليه الشيطان ويدعو له. الشيطان يبعد عن الركب ولا يقربهم، وذلك لتعاضدهم وتكاتفهم، وحمل بعضهم البعض، وتذكير بعضهم البعض، ودفعهم لكل ضرر يلحق أحدهم. وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: ينبغي تولية أمير في السفر؛ لأنه يزيل كل إشكال يتعرضون له بالرجوع إليه والأخذ برأيه. الأمير قائم على رعاية مصالح المسافرين ويدرأ عنهم الضرر. إمارة السفر غير إمارة الخليفة أو من يؤمره الخليفة. إمارة السفر تنقطع بانتهائه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة. رواه أبو داود والترمذي. الصحابة، أي الأصحاب. السرايا هي القطعة من الجيش. من فوائد الحديث: بيان أن خير الأصحاب أربعة؛ لأنهم يفون بالمقصود في الحضر والسفر. بيان أن خير السرايا أربعمائة رجل. خير الجيوش أربعة آلاف جندي. الجيش إذا بلغ اثنا عشر ألفًا وغلب. لا تكون سبب غلبته قلة عدده، بل سبب آخر، إما لقلة دينهم، وإما لاغترارهم بأنفسهم، وإما لارتكابهم المعاصي، أو لعدم إخلاصهم، وغير ذلك من الأمور المانعة للنصر. باب آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر، واستحباب السرى، والرفق بالدواب، ومراعاة مصلحتها، وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك، وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا عليها السير، وبادروا بها نقيها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل. رواه مسلم. معنى أعطوا الإبل حظها من الأرض: أي يرفقوا بها في السير لترعى في حال سيرها. وقوله نقيها هو المخ، معناه أسرعوا بها حتى تصل المقصد قبل أن يذهب مخها من ضنك السير. والتعريس: النزول في الليل. من فوائد الحديث: ينبغي إعطاء الدواب حقها في الأكل والمرعى وعدم منعها منه. حثُّ الإسلام على الرفق بالحيوان. تعليم للمسافر كيفية المسير، وأنه إذا سار في الخصب فليترك الدابة تأكل وترعى لتقوى، وإذا سار في الجدب أسرع حتى يصل بها إلى مقصده قبل أن تتعب من ضنك السير. النهي عن إيذاء الآخرين في المبيت في طريقهم ومنعهم من السير. دفع الضرر عن المسافر، وذلك بإخباره عن مسار الهوام والدواب في الليل. وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه. رواه مسلم. قال العلماء: إنما نصب ذراعه لئلا يستغرق في النوم فتفوت صلاة الصبح عن وقتها أو عن أول وقتها. من فوائد الحديث: بيان للهيئة الصحيحة في النوم. تشريف الشق الأيمن على غيره. استحباب الاضطجاع بعد سنة الفجر وقبل صلاة الفرض. حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أداء الصلاة في وقتها، فلذلك كان ينصب ذراعه عند الاضطجاع لئلا يستغرق في النوم فتفوته صلاة الفجر. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل. رواه أبو داود. الدلجة: أي السير في الليل. من فوائد الحديث: استحباب السير في الليل؛ لأنه أروح للمسافر ودابته، ولذلك فهو لا يشعر بطول المسافة وتعب السير، وكأن الأرض طويت والمسافات اختصرت. وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان، فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض. رواه أبو داود. الشعاب: جمع شعب، وهو الطريق في الجبل. الأودية: جمع واد، وهو كل منفرج بين جبال أو آكام يكون منفذاً للسير. من فوائد الحديث: الفرقة كائنة بسبب وساوس الشيطان. المراد من الرفقة دفع ما يعرض في السفر والإعانة على نوائبه، والفرقة تمنع ذلك. حرص الشريعة على اجتماع الأجساد؛ لأن ذلك أدعى للوحدة وإظهار القوة. بيان سرعة استجابة الصحابة رضي الله عنهم لتنفيذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن فيه عزتهم وحياتهم وكرامتهم. وعن سهل بن عمرو، وقيل سهل بن الربيع بن عمرو الأنصاري، المعروف بابن الحنظلية، وهو من أهل بيعة الرضوان رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة. رواه أبو داود. المعجمة: أي العجماء، وهي التي لا تتكلم. من فوائد الحديث: وجوب الرفق بالحيوان، وجوب الإحسان إلى الحيوان حتى يتمكن كذلك من استخدامه بوجه لا يعود عليه بالظلم. وعن أبي جعفر عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه، وأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل، يعني حائط نخل. رواه مسلم هكذا مختصرا، وزاد فيه البرقاني بإسناد مسلم بعد قوله. حائش نخل، فدخل حائطًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرجر وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح سراته، أي سنامه، وذفراه، فسكن، فقال: من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لي يا رسول الله. فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه يشكو إلي أنك تجيعه وتدئبه. ورواه أبو داود كرواية البرقاني. قوله ذفراه هو لفظ مفرد مؤنث، قال أهل اللغة: الذفرى الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن، وقوله تدئبه أي تتعبه. أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي احتجب به من أعين الناس عند قضاء حاجته. جرجر أي صوت. ذرفت عيناه أي سالت عيناه بالدموع. من فوائد الحديث: جواز الإرداف على الدابة. من كان عنده فضل زائد في مركبه أعان من لا مركب له. حمل اثنين على الدابة ليس ظلمًا لها. جواز اختصاص أقوام بسر دون غيرهم، وجواز عدم إعلام أحد عن هذا السر، ولكن ينبغي أن يُعلم أن هذا يكون خاصًّا به، ولا ينبني عليه حكم شرعي؛ لأن ما كان كذلك لا يجوز إخفاؤه وعدم كشفه. استحباب المبالغة في ستر العورة عند قضاء الحاجة. معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وهي شكوى الجمل له. عدم إعطاء الدابة حقها من الطعام ظلم لها. إثبات الشعور للدواب وآلامها وأحاسيسها. معرفة الدواب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قيام الشرع بالعدل والإنصاف في كل ذي روح. وعن أنس رضي الله عنه قال: كنا إذا نزلنا منزلًا لا نسبح حتى نحل الرحال. رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم. قوله لا نسبح، أي لا نصلي النافلة، ومعناه أنا مع حرصنا على الصلاة لا نقدمها على حط الرحال وإراحة الدواب. من فوائد الحديث: من تمام الراحة وضع الرحال عن الدواب عند النزول. حرص الصحابة رضوان الله عليهم على تنفيذ وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى الدواب. حرص المسلم على ما ينفعه، وبخاصة في سفره، ولذلك ينبغي إراحة الدابة. رياض الصالحين.