الحلقة (118) باب استحباب الدعاء في السفر
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب استحباب الدعاء في السفر. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: التحذير من الظلم؛ لأن عاقبته وخيمة، ودعوة المظلوم مستجابة وإن كان كافراً. حض للمسافر على الدعاء لما يتحصل له من الإجابة. حض للوالدين في عدم التعجل بالدعاء على الأولاد والأموال، بل الدعاء لهم بالخير والتوفيق والسداد. باب ما يدعو إذا خاف ناساً أو غيرهم. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوماً قال: اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. رواه أبو داود والنسائي. من فوائد الحديث: الوقاية من الأعداء والغلبة عليهم لا تكون إلا بنصر من الله وتأييده. ينبغي الاستعاذة بالله من شر الأعداء، وعدم تمني لقائهم، وإذا ابتلي العبد فواجب عليه أن يصبر. باب ما يقول إذا نزل منزلاً. عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك. رواه مسلم. من فوائد الحديث: ينبغي على العبد أن يلجأ إلى الله تعالى حتى يصرف عنه كل سوء في نزوله. اللجوء إلى الله تعالى والاستعاذة بكلماته من كل شر أمر جائز. هذا الحديث دليل قوي على أن كلام الله تعالى غير مخلوق؛ لأن المخلوق لا يجوز الاستعاذة به. من قال هذا الدعاء موقناً به لم يقربه شر في منزله ذلك حتى يرتحل، وذلك استجابة من الله تعالى له للجوئه إليه. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك، وشر ما خُلق فيك، وشر ما يدب عليك. أعوذ بالله من شر أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد. رواه أبو داود. والأسود: الشخص. قال الخطابي: وساكن البلد هم الجن الذين هم سكان الأرض. قال: والبلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان، وإن لم يكن فيه بناء ومنازل. قال: ويحتمل أن المراد بالوالد إبليس، وما ولد الشياطين. باب استحباب تعجيل المسافر الرجوع إلى أهله إذا قضى حاجته. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله. متفق عليه. نهمته: مقصوده. يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، أي يمنعه كمالها ولذتها. من فوائد الحديث: كراهة التغرب عن الأهل من غير حاجة، استحباب استعجال الرجوع، ولا سيما من يُخشى عليهم الضيعة بالغيبة، في الإقامة راحة معينة على الصلاح في الدين والدنيا. باب استحباب القدوم على أهله نهارًا، وكراهته في الليل لغير حاجة. عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلًا. وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا. متفق عليه. لا يطرقن، أي لا يأتين أحدكم أهله في الليل، وكل آتٍ في الليل فهو طارق. من فوائد الحديث: كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متهيئة؛ لئلا يطلع منها على ما يكون سببًا لنفرته منها، وهذا مأخوذ من تعليل النهي، وهو قوله: كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة. النهي عن طرق المسافر أهله على غِرَّة، من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه. استحباب أن تتزين المرأة لزوجها وتتهيأ؛ لتدوم الألفة والمحبة بينهما. ينبغي على المرأة أن تحرص على ألا يقع نظر زوجها منها على ما يكرهه. التحريض على ترك التعرض لما يوجب سوء الظن بالمسلم. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطرق أهله ليلًا. وكان يأتيهم غدوة أو عشية، متفق عليه. الطرق: المجيء في الليل. الغدوة: أول النهار. العشية: آخر النهار. من فوائد الحديث: النهي عن إتيان الأهل في حالة غفلة، وعلى حين غِرَّة، وبخاصة في الليل. يستحب للمسافر أن يعود إلى أهله نهارًا. باب ما يقول إذا رجع، وإذا رأى بلدته. فيه حديث ابن عمر السابق في باب تكبير المسافر إذا صعد الثنايا. وعن أنس رضي الله عنه قال: أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بظهر المدينة قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، فلم يزل يقول ذلك حتى قدمنا المدينة. رواه مسلم. من فوائد الحديث: ينبغي على المسلم إذا رأى بلده وقد بلغه الله سالمًا أن يشكره ويذكر فضله، ولا ينساه عند رؤية الأهل والأحبة. الإياب بالسلامة فضل من الله تعالى على عباده. دخول البلد مع الاستغفار مما علق بالعبد من الذنوب أثناء سفره، ليدخل موطنه نقيًّا من الخطايا، فلا يسبب لهم مصيبة بذنبه. لِأَنَّ الذُّنُوبَ تُسَبِّبُ الْعَذَابَ. تأكيدُ المُوَاصَلَةِ فِي الْعِبَادَةِ وَتَمَامِ الْخُضُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ النِّعَمِ عَلَيْنَا، وَهُوَ وَحْدَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ دُونَ سِوَاهُ. يَنْبَغِي عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى اللَّهِ دَائِمًا فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَلِيَعْلَمِ الْعَبْدُ أَنَّ مَنْ تَعَرَّفَ عَلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ تَعَرَّفَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الشِّدَّةِ. بَابُ اسْتِحْبَابِ ابْتِدَاءِ الْقَادِمِ بِالْمَسْجِدِ الَّذِي فِي جِوَارِهِ، وَصَلَاتِهِ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. بَابُ تَحْرِيمِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مَحْرَمٌ: أَيْ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: النَّهْيُ الْوَاضِحُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِلَا مَحْرَمٍ. وَرَدَتْ رِوَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ فِي تَحْدِيدِ الْمَسَافَةِ. فَفِي رِوَايَةٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَفِي أُخْرَى يَوْمَيْنِ، وَفِي ثَالِثَةٍ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا تُسَافِرُ بَرِيدًا. وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ وَاخْتِلَافِ الْمَوَاطِنِ، وَلَيْسَ بَيْنَهَا تَنَاقُضٌ وَلَا تَعَارُضٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا تُنْهَى الْمَرْأَةُ عَنْهُ بِغَيْرِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ. اسْتَثْنَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ سَفَرَ الْحَجِّ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مَرْجُوحٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ السَّفَرُ دُونَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ إِلَّا مَنْ فَرَّتْ بِدِينِهَا مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. الْمَحْرَمُ هُوَ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَهُوَ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا. مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ وَالْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَحَةِ مَا يُعْرَفُ عِنْدَ بَعْضِ جُهَّالِ الْعَوَامِ النَّابِذِينَ لِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، التَّارِكِينَ لِلِاقْتِدَاءِ بِسَيِّدِ الْأَنَامِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَأَتَمُّ السَّلَامِ، مِنْ مُؤَاخَاةِ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ وَالْخَلْوَةِ بِهِنَّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. من فوائد الحديث: بيان لحرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية لما يترتب على ذلك من مفاسد. تنتفي الخلوة بالمرأة الأجنبية بوجود محرم أو زوج. المرأة إذا خرجت حاجة مع أمن الطريق من غير محرم، وجب على محرمها أو زوجها اللحوق بها، وأن يقوم بواجبه الشرعي. وهذا صريح في نقض استثناء بعض أهل العلم بجواز حج المرأة من غير محرم مع أمن الطريق أو بصحبة نساء ثقات. يجوز للإمام أن يأذن لمن شاء بالتخلف عن المعركة إذا وجدت مصلحة تقتضي ذلك. رياض الصالحين.