الحلقة (124) باب فضل الصلوات
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الصلوات. قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا. متفق عليه. الدرن: أي الوسخ. وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات. رواه مسلم. الغمر: الكثير. من فوائد الحديث: جواز ضرب الأمثال للناس حتى يفهموا أحكام الشريعة بأيسر عبارة وأوضحها دون إخلال بالمعنى الحقيقي. الله عز وجل امتن على العباد بالصلوات الخمس لتنقية قلوبهم وأجسامهم من علل الآثام التي تعمي القلب وتغلقه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، فقال الرجل: ألي هذا؟ قال: لجميع أمتي كلهم، متفق عليه. من فوائد الحديث: عدم وجوب الحد في القبلة واللمس ونحوهما، للإمام أن يسقط عنه حد التعزير إذا رأى منه صدق التوبة وإظهار الندم، إقامة الصلاة كفارة للذنوب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر، رواه مسلم. ما لم تغش الكبائر، أي ما لم تؤت الكبائر. من فوائد الحديث: الصلوات المفروضة والجمعة مكفرات للذنوب الصغائر، يشترط لتكفير الكبائر التوبة النصوح. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة. فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله. رواه مسلم. من فوائد الحديث: ينبغي على المسلم أن يحسن وضوء الصلاة كما بيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. الخشوع روح الصلاة، فمن خشع في صلاته فقد فاز ونجح. الصلاة المكفرة للذنوب هي التي يؤديها العبد وهو حاضر القلب خاشع الجوارح، يبتغي بها وجه الله تعالى. باب فضل صلاة الصبح والعصر. عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى البردين دخل الجنة. متفق عليه. البردان: الصبح والعصر. من فوائد الحديث: لا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن. فضل صلاة الصبح والعصر. وعن أبي زهير، عمارة بن رويبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يعني الفجر والعصر. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الورود غير الولوج، وهو الدخول. تخصيص صلاة الصبح والعصر بالذكر ليس لإفادة حصول النجاة من النار لمن جاء بهما دون باقي الخمس، لأنه بخلاف النصوص، بل لأمر آخر، وهو التنبيه على فضلهما. من أدى مثل هذه الصلوات، غالبًا ما يكون خالي النفس من الكسل والرياء، ودوام محبة النفس للعبادة والقيام بها على وجهها، وأنه دائم الحفاظ على كافة الصلوات والمأمورات. من كان محافظًا على هاتين الصلاتين يكون أشد محافظة على غيرهما من الصلوات. مدح الله تعالى من هجر النوم ولذته، والبيع وربحه، في جنب عبادته وطاعته، فقال: كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وقال: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. وعن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فانظر يا ابن آدم، لا يطلبنك الله من ذمته بشيء. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون. متفق عليه. من فوائد الحديث: من لطف الله تعالى بعباده وإكرامه لهم بأن جعل اجتماع ملائكته في حال طاعة عباده لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة. الصلاة أعلى العبادات؛ لأنه عنها وقع السؤال والجواب. إشارة إلى عظم هاتين الصلاتين لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة، والإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين. يترتب على ما تقدم حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما. تشريف هذه الأمة على غيرها ونبيها على غيره. الإخبار عن بعض الغيب المتعلق ببني آدم. يترتب على ذلك زيادة الإيمان، وزيادة الالتزام بأمور العبادة لتحسن الشهادة. إعلام بحب ملائكة الله لنا، لنزداد فيهم حباً ونتقرب إلى الله بذلك. وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم. فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. تُضَامُونَ: أَيْ لَا يَلْحَقُكُمْ ضَيْمٌ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ فِي رُؤْيَتِهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: إِثْبَاتُ الْبُشْرَى لِأَهْلِ الْإِيمَانِ أَنَّهُمْ سَيَرَوْنَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِثْبَاتُ حَقِيقَةِ الرُّؤْيَةِ وَأَنَّهَا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. التَّشْبِيهُ فِي الْحَدِيثِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَابَهَةِ، وَإِنَّمَا عَلَى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ فِي الرُّؤْيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ غَيْرُ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَشْبِيهُ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ. فَضْلُ صَلَاتَيِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِمَا. وَعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. حَبِطَ: أَيْ بَطَلَ أَجْرُهُ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْحَثُّ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا. من ترك صلاة العصر متعمداً كما في رواية معمر فقد بطل أجره. لا حجة في الحديث على تكفير تارك الصلاة تكاسلاً، لأن الأمر لو كان كما قال من كفر تارك الصلاة، لما اختص العصر بذلك دون الصلوات، ولكن تارك الصلاة تكاسلاً غير جاحد لها على خطر عظيم. رياض الصالحين.