الحلقة (127) باب فضل الصف الأول
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب الأمر بالمحافظة على الصلوات المكتوبات، والنهي الأكيد والوعيد الشديد في تركهن. قال الله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقال تعالى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. متفق عليه. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان. متفق عليه. على خمس، أي على خمسة أركان أو خمس دعائم. من فوائد الحديث. الإسلام مبني على هذه الأركان، فهي كالدعائم لبنيانه، فلا يثبت البنيان بدونها. المراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله. وأما إقامة الصلاة، فقد جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمود الإسلام، كما في حديث معاذ رضي الله عنه: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، فلا يقوم البنيان إلا بعموده، ولا يثبت إلا بعماده، ولو سقط العمود لسقط البنيان ولم يثبت بدونه. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله. متفق عليه. وعن معاذ رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَٰلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَٰلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ شَقِيقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّابِعِيِّ، الْمُتَّفَقِ عَلَى جَلَالَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْئًا، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ. انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل منها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر أعماله على هذا. رواه الترمذي. من فوائد الحديث: أول ما يحاسب عليه العبد من أمور العبادات يوم القيامة الصلاة. من قام بالصلاة صلح عمله، ومن لم تصلح صلاته فسد عمله. رحمة الله عظيمة في عباده بأن يتم فروضهم من نوافلهم. عامة أعماله المفروضة إن كان فيها نفل أتمه منها، حتى إذا ما زادت حسناته وغلبت على سيئاته دخل الجنة برحمة الله له. باب فضل الصف الأول، والأمر بإتمام الصفوف الأول، وتسويتها والتراص فيها. عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف. رواه مسلم. من فوائد الحديث: إخبار أن الملائكة يكونون صفوفًا عند الله تبارك وتعالى. ويتراصون في الصف فلا يكون خلل بينهم. الحث على التشبه بالملائكة؛ لأن الملائكة معصومون من الخطأ، والتشبه بالمعصوم يؤدي إلى الكمال في العمل. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها. رواه مسلم. من فوائد الحديث: استحباب أن يبكر الرجال في الحضور إلى المسجد ليكون لهم فضل السبق وتحصيل الصفوف الأول. حرص الإسلام على عدم نظر المرأة إلى عورة الرجل، كما أنه حرص على عدم نظر الرجل إلى المرأة. انصراف النساء يكون قبل انصراف الرجال حتى لا تختلط النساء بالرجال في المساجد. الرجال بقربهم للإمام يأتمون به، فتأتم بهم النساء، وهذا فيه مسألة أن المرأة لا يجوز لها أن تتقدم الرجل في الصلاة. الرجال أقوى على حمل الرسالة عن الأنبياء، وأحرص على تبليغها من النساء، لذلك وجب تقديمهم، وكانت صفوفهم المقدمة خير الصفوف. آخر صفوف النساء أفضل من أولها، لبعدهن عن الرجال الذي قد يؤدي إلى الفتنة. الخير والشر المراد بهما هنا كثرة الثواب وقلته، لا حصول الإثم. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً، فقال لهم: تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الحث على التعلم والحرص عليه. من تأخر في التعلم والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتعلم الفضائل واجتناب الرذائل، حتى يؤخرهم الله عن رحمته وعظيم ثوابه. جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه أو صف أمامه يراه متابعاً للإمام. وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم. ليَلِينِي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. رواه مسلم. أولو الأحلام: البالغون العقلاء الكاملون في الفضيلة. من فوائد الحديث: تسوية الصفوف سبب في وحدة الأمة والتفافها حول حبل الله المتين. اختلاف الظاهر يؤدي إلى اختلاف الباطن، وهذا يؤكد تأثير الظاهر على الباطن، والعكس بالعكس سلبًا وإيجابًا. يستحب أن يلي الإمام الحفاظ وأهل العلم بالكتاب والسنة، ثم من دونهم، وهكذا. بيان فضل العلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سبب في تقدمهم على غيرهم. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة. متفق عليه. وفي رواية البخاري: فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة. من فوائد الحديث: ينبغي على الإمام أن يأمر الناس بتسوية الصفوف قبل الشروع في الصلاة. الأمر بتسوية الصفوف وإقامتها يكون بعد إقامة الصلاة. تسوية الصفوف جزء من صلاة الجماعة. وعن أنس رضي الله عنه قال: أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري. رواه البخاري بلفظه، ومسلم بمعناه. وفي رواية للبخاري: وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه. من فوائد الحديث: تأكيد إقامة الصفوف وتسويتها عند طلب الإمام ذلك، وفي أثناء الصلاة. إثبات معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه يرى أصحابه من وراء ظهره، فيكون ذلك أدعى لهم في إقامة الصفوف. تسوية الصف يكون بإلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف. فَقَالَ: عِبَادَ اللهِ، لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ. من فوائد الحديث: عدم تسوية الصفوف يؤدي إلى الاختلاف، والاختلاف يؤدي إلى إيقاع العداوة والبغضاء واختلاف القلوب. وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم. وكان يقول: إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: فضل الصف الأول، ولهذا يستحب التبكير إلى الصلاة لنيل فضيلة الصفوف الأول. رياض الصالحين.