الحلقة (128) باب فضل السنن الرواتب
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل الصف الأول، والأمر بإتمام الصفوف الأول، وتسويتها والتراص فيها. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: استحباب تسوية الصفوف وإقامتها والتراص بالمناكب والأقدام. الشيطان يلج من الخلل ليفسد قلوب المصلين. ينبغي أن يصل المسلم ما أمر الله به أن يوصل، ومن ذلك وصل الصفوف وسد الخلل والتضييق على الشيطان. من خالف أمر الله فهو على شفا جرف هار. وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رصوا صفوفكم وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. الحذف: هي غنم سود صغار تكون باليمن. من فوائد الحديث: ينبغي رص الصفوف والمقاربة بينها بالمحاذاة بين الأقدام والمناكب. بيان العلة التي من أجلها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برص الصفوف وإقامتها والمقاربة بينها، لكي لا تبقى فرج للشيطان؛ لأنه يدخل منها. تسوية الصفوف من مقام الشيطان التي تبطل وسوسته وتدمر كيده وتحرق جنده وترد الشر الذي عنده. وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: يجب إتمام الصف المقدم ثم الذي يليه. النقص ينبغي أن يكون في الصف المتأخر حتى يتسنى لمن جاء مسبوقًا أن يلتحق بالصلاة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف. رواه أبو داود. وعن البراء رضي الله عنه قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك. رواه مسلم. من فوائد الحديث: استحباب الصلاة خلف الإمام ثم التيامن. من السنة أن يقبل الإمام بوجهه على المصلين بعد التسليم. من الأذكار المشروعة بعد الفريضة: اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وسط الإمام وسدوا الخلل. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: يجب سد الفرج بين الصفوف لكي لا يلج منها الشيطان. باب فضل السنن الراتبة مع الفرائض وبيان أقلها وأكملها وما بينهما. عن أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير الفريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة. أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. من فوائد الحديث: إثبات فضائل صلاة النافلة. الله تعالى يحاسب العباد على أعمالهم. إصدار الأحكام في الشريعة متوقف على طبيعة العمل. الجنة تُعمر لأهلها على قدر أعمالهم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. متفق عليه. من فوائد الحديث: استحباب المحافظة على النوافل الراتبة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها. صلاة النوافل في البيوت أفضل من المسجد. وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة. قال في الثالثة: لمن شاء. متفق عليه. المراد بالأذانين: الأذان والإقامة. من فوائد الحديث: جواز إطلاق الأذان على الإقامة. جواز الاشتغال بغير الفرض عقب الأذان ما لم يصل الفرض. دليل على أن الأمر للوجوب ما لم تأت قرينة تصرفه عن ذلك. باب تأكيد ركعتي سنة الصبح. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداء. رواه البخاري. الغداء أي الصبح. من فوائد الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة يصلي قبل الظهر أربعًا وتارة ركعتين، وهذا من باب التنوع، فيفعل هذا تارة وهذا أخرى. سنة الصبح مؤكدة، حافظ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر. متفق عليه. من فوائد الحديث: السنن الراتبة ليست سواء في الفضل. حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على ركعتي سنة الصبح أكثر من غيرها من النوافل. وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال. ركعة الفجر خير من الدنيا وما فيها. رواه مسلم. وفي رواية: لهما أحب إلي من الدنيا جميعا. من فوائد الحديث: بيان فضل سنة ركعتي الفجر، ما أعده الله للمصلين في جنة الخلد خير من الدنيا وما فيها، قرة عين المؤمن في الصلاة؛ لأنها صلة وسكينة وطمأنينة. وعن أبي عبد الله بلال بن رباح رضي الله عنه، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليؤذنه بصلاة الغداء، فشغلت عائشة بلالا بأمر سألته عنه حتى أصبح جدا، فقام بلال فأذنه بالصلاة، وتابع أذانه، فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج صلى بالناس، فأخبره أن عائشة شغلته بأمر سألته عنه حتى أصبح جدا، وأنه أبطأ عليه بالخروج، فقال، يعني النبي صلى الله عليه وسلم: إني كنت ركعت ركعتي الفجر. فقال: يا رسول الله، إنك أصبحت جدا. قال: لو أصبحت أكثر مما أصبحت لركعتهما وأحسنتهما وأجملتهما. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: جواز حديث المرأة لعتيق أبيها وسؤالها إياه عما تحتاج إليه. تعظيم بلال رضي الله عنه لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ استمع إليها حتى قضت حاجتها من الكلام معه، وعدم إنكاره عليها. جواز الإخبار على سبيل التلطف لمن شغله صاحبه عن أمر كان قد جاء إليه. ينبغي على المصلين أن ينتظروا الإمام ما دام محبوسًا عنهم ما لم يفت وقت الصلاة. باب تخفيف ركعتي الفجر وبيان ما يقرأ فيهما وبيان وقتهما. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح، متفق عليه. وفي رواية لهما: يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان فيخففهما حتى أقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟ وفي رواية لمسلم: كان يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما. وفي رواية: إذا طلع الفجر. من فوائد الحديث: استحباب تخفيف ركعتي الفجر. ركعتا الفجر تُصليان بعد دخول وقت الفجر. وعن حفصة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أذن المؤذن للصبح، وبدا الصبح، صلى ركعتين خفيفتين، متفق عليه. وفي رواية لمسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة من آخر الليل، ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وكأن الأذان بأذنيه، متفق عليه. وكأن الأذان بأذنيه، المراد بالأذان هنا الإقامة، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسرع إلى صلاة ركعتي الفجر إسراع من يسمع إقامة الصلاة، خشية فوات أول الوقت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون. وفي رواية: وفي الآخرة التي في آل عمران: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: رَمَقْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. مِنْ فَوَائِدِ الْأَحَادِيثِ: يُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ بِآيَةِ: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، أَوْ بِسُورَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. وَتُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِآمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، أَوْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، أَوْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. هَذَا التَّنَوُّعُ فِي الْقِرَاءَةِ تَيْسِيرٌ عَلَى الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ. يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَبْدَأَ يَوْمَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَالْوَلَاءِ وَالِاعْتِزَازِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْمُوَحِّدِينَ. رياض الصالحين.