الحلقة (131) باب فضل يوم الجمعة
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه وبيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر الله بعد الجمعة. قال الله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها. رواه مسلم. من فوائد الحديث: بيان لفضيلة يوم الجمعة. يوم الجمعة يوم عظيم وقعت فيه أمور عظام، منها خلق آدم عليه السلام، وإدخاله الجنة وإخراجه منها. ينبغي على العبد أن يتأهب في يوم الجمعة بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله ودفع نقمته والفوز عنده، فإن الساعة لا تقوم إلا في يوم الجمعة كما في رواية مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا. رواه مسلم. أحسن الوضوء، أي أتى بآدابه وسننه، وأسبغ غسل الأعضاء. أتى الجمعة، أي أتى صلاة الجمعة في المسجد. فاستمع وأنصت، أي إلى الخطبة. وزيادة ثلاثة أيام، لأن الحسنة بعشر أمثالها. مس الحصى، أي عبث بها. لغا، أي أتى بما هو مذموم من اللغو، وهو كل كلام باطل لا فائدة فيه. من فوائد الحديث: استحباب تحسين الوضوء، وذلك بغسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا، وإطالة التحجيل، وتقديم الميامن، والإتيان بسننه. التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة مستحب. وجوب الإنصات والاستماع لخطبة الجمعة. لا يجوز العبث بالحصى والتلهي عن الاستماع لخطبة الجمعة. الاستماع لخطبة الجمعة واجب. الحسنة بعشرة أمثالها، فالجمعة إلى الجمعة سبعة أيام. وثلاثة أيام زيادة، تلك عشرة كاملة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الصلوات الخمس المفروضات، والجمعة وصيام رمضان، كفارات للذنوب والمعاصي. وعن أبي هريرة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين. رواه مسلم. ودعهم الجمعات، أي تركهم لها. الختم، أي الطبع والتغطية. من فوائد الحديث: جواز اتخاذ منبر للخطبة أو الموعظة. الجمعة فرض عين، ولا تجزئ إلا في جماعة. تهديد لمن ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا، ولا عذر شرعي له، بالختم على قلبه. المعاصي دركات، ومن ذلك من ختم على قلبه فغفل عن كل ذكر، فاستحق النار. عمل الطاعات والمحافظة على الصلوات والجمعات ينور القلوب ويجليها من الران والذنوب. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل. متفق عليه. من فوائد الحديث: وجوب الاغتسال ليوم الجمعة. غسل الجمعة واجب شرعًا للرواح إليها، فمن كان الرواح واجبًا عليه كان الغسل كذلك، ويخرج من هذا الصبيان والنساء والمسافر. من اغتسل بعد صلاة الجمعة فإنه لا يكون قد اغتسل لصلاة الجمعة؛ لأن الغسل مقدم على الرواح. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. متفق عليه. المراد بالمحتلم: البالغ، والمراد بالوجوب: وجوب اختيار، كقول الرجل لصاحبه: حقك واجب علي، والله أعلم. وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل. رواه أبو داود والترمذي. من فوائد الحديث: صلاة الجمعة جائزة من غير غسل؛ لأن الغسل واجب في نفسه، وليس شرطًا في صحة الصلاة. قوله صلى الله عليه وسلم: فالغسل أفضل، لا ينافي القول بوجوب غسل الجمعة؛ لأن الواجب أفضل من المستحب، لا شك في ذلك. وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى. رواه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة. فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: غُسْلَ الْجَنَابَةِ، أَيْ غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي الصِّفَةِ. قَرَّبَ، أَيْ تَصَدَّقَ. رَاحَ، أَيْ ذَهَبَ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: إِشَارَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِيَغْتَسِلَ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَحِكْمَتُهُ ظَاهِرَةٌ، حَيْثُ تَسْكُنُ النَّفْسُ فِي الرَّوَاحِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَا تَمْتَدُّ عَيْنُهُ إِلَى شَيْءٍ تَرَاهُ. فَضْلُ التَّبْكِيرِ فِي الرَّوَاحِ إِلَى الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. مَرَاتِبُ النَّاسِ فِي الْفَضْلِ وَالْأَجْرِ حَسَبَ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. الْقَلِيلُ مِنَ الصَّدَقَةِ غَيْرُ مُحْتَقَرٍ فِي الشَّرْعِ، يَظْهَرُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً. وُجُوبُ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ إِذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ طَوَتْ صُحُفَهَا لِتَسْتَمِعَ إِلَى الذِّكْرِ الَّذِي فِي الْخُطْبَةِ وَالْمَوْعِظَةِ. التَّقَرُّبُ بِالْإِبِلِ أَفْضَلُ مِنَ التَّقَرُّبِ بِالْبَقَرِ. الْمُرَادُ بِطَيِّ الصُّحُفِ: طَيُّ صُحُفِ الْفَضَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّبْكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهَا، مِنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ وَإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُهُ الْحَافِظَانِ قَطْعًا. تَصِحُّ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ عِنْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها. متفق عليه. من فوائد الحديث: الترغيب والحض على موافقة هذه الساعة في هذا اليوم لكثرة ما فيها من الخير. الساعة خاصة بيوم الجمعة دون غيره من الأيام. صح اتفاق الصحابة أنها آخر ساعة في يوم الجمعة. وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة. رواه مسلم. من فوائد الحديث: ساعة الإجابة هي في فترة الخطبة والصلاة، وهذا من الأقوال في تحديد وقتها، ولذلك تحضرها الملائكة، فينبغي حضور القلب والإخلاص في الإقبال على الله عز وجل في هذه الفترة. والله أعلم. وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: يوم الجمعة سيد الأيام وأفضلها، وهو أفضل عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر. الحث على الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة. الأنبياء أحياء في قبورهم. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تعرض عليه في قبره إكرامًا من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، وإكرامًا من الله لعبده المتمثل وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. رياض الصالحين.