الحلقة (133) باب استحباب قيام رمضان
نص الحلقة
رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل قيام الليل. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا. فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي. متفق عليه. من فوائد الحديث: صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل كانت متساوية في جميع السنة، فكان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. استحباب طول القيام في صلاة الليل. كراهية النوم قبل الوتر. من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم أنه تنام عينه ولا ينام قلبه. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام أول الليل ويقوم آخره فيصلي. متفق عليه. من فوائد الحديث: صلاة القيام في آخر الليل أفضل من أوله، آخر الليل أرجى في إجابة الدعاء. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء. قيل: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه. متفق عليه. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى. فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ: الْقِيَامُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ. كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الْأَنْبِيَاءُ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْعِبَادَةِ. حَثُّ الصَّالِحِينَ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ نَهْجِهِمْ لَا يَكُونُ عِبَادَةً مَحْبُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ كَثُرَتْ وَعَظُمَتْ فِي عَيْنِ صَاحِبِهَا. إِثْبَاتُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانُوا يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ خَاصًّا بِهَذِهِ الْأُمَّةِ. إِثْبَاتُ صِفَةِ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى. اللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَفْعَالًا مِنْ عِبَادِهِ وَيُوصِي بِهَا، وَيَكْرَهُ أَفْعَالًا مِنْ عِبَادِهِ وَيُحَذِّرُ مِنْهَا. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة. رواه مسلم. من فوائد الحديث: الليل كله مظنة الإجابة، فيستحب الدعاء في جميع ساعات الليل كله رجاء أن يصادف ساعة الإجابة. ينبغي للعبد المسلم ألا يدعو إلا بخير من أمر الدنيا والآخرة، ولا يدعو بإثم أو قطيعة رحم. جوف الليل الآخر الدعاء فيه أفضل وأرضى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين. رواه مسلم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين. رواه مسلم. من فوائد الحديث: يستحب للعبد أن يفتتح قيامه بصلاة ركعتين خفيفتين؛ لأن ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. رواه مسلم. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نام عن حزبه أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل. رواه مسلم. حزبه هو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة. من فوائد الحديث: استحباب تدارك النفل المؤقت. ما ترك لعذر وقضي كتب عند الله بمحض الفضل كثواب المؤدى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء. رواه أبو داود. نضح في وجهها الماء، أي رش في وجهها الماء. من فوائد الحديث. الحض على التعاون على البر والتقوى، وإيثار اتباع الأمر الإلهي على الهوى النفساني. استحباب قيام الليل ذكورًا وإناثًا. إقلاق الزوجين لبعضهما لقيام الليل ليس من الذنوب، بل هو من الأفعال التي يؤجر عليها صاحبها. الحث على الإكثار من الخير، وذلك أنه من سن سنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وهذا منها. تحمل نتائج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذا ترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرر محتمل، فإنه يأمره به وينهاه عنه. وعن أبي هريرة وعن أبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا، أو صلى ركعتين جميعًا، كتبا في الذاكرين والذاكرات. رواه أبو داود. من فوائد الحديث: استحباب حض الزوجة والأولاد على صلاة الليل. ينبغي للمرء أن يربي أهل بيته على الطاعة. جواز صلاة الليل جماعة. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا نعس أحدكم في الصلاة. فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع. رواه مسلم. من فوائد الحديث: كراهية قيام الليل والمرء ناعس؛ لأن لجسده عليه حقًّا، فليعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. المراد من قيام الليل: التذكر والتدبر والتفكر، فإن لم يستطع العبد ذلك فليضطجع. ينبغي على العبد قراءة القرآن قراءة تدبر وفهم. باب استحباب قيام رمضان وهو التراويح. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. متفق عليه. من فوائد الحديث: الحث على قيام رمضان. بيان خاصية من خصائص قيام رمضان وهي غفران الذنوب. بيان شروط غفران الذنب: الأول: الإيمان بفرضية صيامه واستحباب قيامه. الثاني: الاحتساب، وهو قصد الأجر من الله بهذا العمل لا من باب الرياء والشهرة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. رواه مسلم. عزيمة: أي لا يأمرهم أمر إيجاب. من فوائد الحديث: استحباب حض الإمام رعيته على فعل النوافل والطاعات التي تقربهم إلى الله تعالى. لا يجوز إلزام الرعية في أمر لم يأت فيه نص إيجاب ما لم يترتب على تركه محذور شرعي أو مفسدة. استحباب تذكير الداعية الناس في مقصود فعلهم وتصحيح مسارهم بأن يجعلوا أعمالهم خالصة لله تعالى. إظهار عظمة الله ورحمته ورأفته بعباده بأن يتجاوز عن ذنوبهم بهذا العمل. بيان فضيلة رمضان. رياض الصالحين.