الحلقة (134) باب فضل قيام ليلة القدر

رياض الصالحين · المقطع 134 من 200

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم. باب فضل قيام ليلة القدر وبيان أرجى لياليها. قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إلى آخر السورة. وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ الآيات. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه. متفق عليه. من فوائد الحديث: بيان فضل ليلة القدر، وهو فضل خاص غير ما تضمنه رمضان من فضائل. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر. متفق عليه. من فوائد الحديث: رؤيا أهل الإيمان حق، وأنها قد تتواطأ على أمر خير. الرؤيا لا يترتب عليها حكم شرعي ما لم يقره الشرع. ومن ذلك ما كان من رؤيا عبد الله بن زيد رضي الله عنه في أمر الأذان. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. متفق عليه. يجاور، أي يعتكف. من فوائد الحديث: يستحب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان. ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. يستحب للعبد تحري الأوقات الفاضلة ليحييها بالطاعة والصلاة والذكر وتلاوة القرآن الكريم. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان. رواه البخاري. من فوائد الحديث: هذا حديث خصص جميع الأحاديث الواردة في تحري ليلة القدر، وبين أنها في أوتار العشر الأواخر من رمضان، وبه تتفق النصوص ولا تفترق. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله. وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. شَدَّ الْمِئْزَرَ، أَيْ اعْتَزَلَ النِّسَاءَ وَجَدَّ فِي الْعِبَادَةِ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: بَيَانٌ لِشِدَّةِ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَبْرِهِ عَلَيْهَا. بَيَانُ أَنَّ النَّوْمَ هُوَ أَخُو الْمَوْتِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: أَحْيَا لَيْلَةً. اعْتِزَالُ النِّسَاءِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ أَنْشَطُ لِلْعِبَادَةِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا. يَنْبَغِي حَثُّ الْأَهْلِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَتَرْبِيَتُهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَأَمْرُهُمْ بِالصَّلَاةِ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي رَمَضَانَ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: اسْتِحْبَابُ اغْتِنَامِ الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ بِالطَّاعَةِ. بَيَانُ فَضْلِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. حِرْصُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَاجْتِهَادُهُ فِي طَلَبِ مَرْضَاتِهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي. رَوَاهُ الترمذي. أرأيتَ، أي أخبرني، من فوائد الحديث: ليلة القدر لها أمارات وعلامات قد تظهر لبعض العباد دون غيرهم. يُستحب سؤال أهل العلم عن حكم النازلة قبل عملها. العفو من أسماء الله الحسنى. إثبات صفة المحبة لله، وأنه يحب العفو. خير الآخرة مقدم في السؤال على خير الدنيا؛ لأن مدار الفوز والنجاح على خير الآخرة. إذا علم العبد ساعة إجابة، أو شعر بحالة قرب من الله، فعليه أن يُظهر فقره وانكساره لمولاه الحق. باب فضل السواك وخصال الفطرة. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة. متفق عليه. من فوائد الحديث: السواك ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا لأمرهم به شق عليهم أو لم يشق. حرص النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته. يُستحب السواك عند القيام إلى الصلاة؛ كونها حالًا تقرب إلى الله، فاقتضى أن تكون حال كمال ونظافة إظهارًا لشرف العبادة. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك. متفق عليه. الشوص: الدلك. من فوائد الحديث: استحباب السواك عند القيام من النوم؛ لأن النوم مقتضٍ لتغير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، والسواك آلة تنظيفه، فيستحب عند مقتضاه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي. رواه مسلم. من فوائد الحديث: جواز الاستعانة بالآخرين لإعداد الطهور. يستحب للأهل أن ينشطوا لإعانة رب البيت على الطاعة، ولهم في ذلك أجر. استحباب التسوك قبل الوضوء وقبل الصلاة، وعند انبعاث من النوم. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثرت عليكم في السواك. رواه البخاري. من فوائد الحديث: كثرة حضه صلى الله عليه وسلم لأصحابه من أجل استعمال السواك وامتثالهم له. لِمَا فِي السِّوَاكِ مِنْ فَضَائِلَ. وَعَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: جَوَازُ الِاسْتِخْبَارِ عَنْ أَحْوَالِ الصَّالِحِينَ فِي بُيُوتِهِمْ لِيُقْتَدَى بِهِمْ. اسْتِحْبَابُ اسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ عِنْدَ دُخُولِ الْبَيْتِ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: يُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ عَلَى اللِّسَانِ طُولًا، أَمَّا الْأَسْنَانُ فَالْأَحَبُّ فِيهَا أَنْ تَكُونَ عَرْضًا. تَأْكِيدُ السِّوَاكِ وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَسْنَانِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّنْظِيفِ وَالتَّطَيُّبِ لَا مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْقَذَارَةِ. جَوَازُ الِاسْتِيَاكِ أَمَامَ النَّاسِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: السِّوَاكُ سَبَبٌ لِرِضَا الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. السواك آلة تنظيف للفم. الله سبحانه وتعالى يحب النظافة ويحب المتطهرين، ولذلك شرع لهم ما يعينهم على ابتغاء مرضاته. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب. متفق عليه. الاستحداد: حلق العانة، وهو حلق الشعر الذي حول الفرج. الفطرة هي التي خلق الله العباد عليها وحثهم عليها، واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة، ومن فعل هذه الأشياء فقد اتصف بالفطرة. الختان بالنسبة للذكر هو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، وبالنسبة للأنثى قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مدخل الذكر، ويسمى ختان الذكر إعذارًا، وختان الأنثى خفضًا. نتف الإبط: أي إزالة شعر الإبط. تقليم الأظفار: أي قص الأظفار. من فوائد الحديث: يتعلق بهذه الخصال مصالح دنيوية ودينية، منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملةً وتفصيلًا. والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة. الختان واجب على الذكور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل أسلم: ألق عنك شعر الكفر واختتن. يجزئ في نتف الإبط الحلق، وبخاصة لمن يتأذى بالنتف. ينبغي إزالة الأظفار التي تزيد على ما يلامس رأس الإصبع من الظفر. يستحب المبالغة في قص الشارب، وبخاصة ما زاد منه على الشفتين. ينبغي إزالة شعر العانة حلقًا. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء. قال الراوي: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع، وهو أحد رواته: انتقاص الماء يعني الاستنجاء. رواه مسلم. البراجم هي عقد الأصابع، وإعفاء اللحية معناه لا يقص منها شيئًا. من فوائد الحديث: خصال الفطرة لا تنحصر في خمس، ففي هذا الحديث زيادة خمس، وهي إعفاء اللحية والاستنشاق. وغسل عقد الأصابع ومفاصلها، والمضمضة والاستنجاء. الإسلام دين النظافة، ولذلك حض المسلم على الاعتناء بجسمه وإزالة الأوساخ التي تعلق به. إعفاء اللحية واجب، آثم من حلقها، وفيه من المفاسد ما لا يُحصى. وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: احفوا الشوارب وأعفوا اللحى. متفق عليه. احفوا أي قصوا ما طال منها على الشفتين. من فوائد الحديث: تحريم حلق اللحية ووجوب إعفائها، بخلاف الشارب فإنه يؤخذ منه. رياض الصالحين.